spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
سيدنا أبو عبد الله
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
كلمة العدد: الحمد لله، يوجد لدينا باب.. طباعة ارسال لصديق
ورد في مذكرات  أحد المسئولين، أنه انتظر في أحد الأيام، موعد إقلاع الطائرة، فاشترى كيسا من الحلوى، وجلس على إحدى الموائد، وفتح كتابا يقرأ. وكان أثناء قراءته يمد يده، ليأخذ قطعة من كيس الحلوى ويأكلها. وانتبه أنه يجلس بجانبه رجل بالغ في السن، يمد يده ويتناول من نفس الكيس ويأكل. واستهجن ذلك، لكنه سكت حتى ظلت حبة أخيرة من الحلوى في الكيس، فقام الرجل باقتسامها، وأخذ نصفها، وترك القسم الآخر للمتحدث. ولم يجر أي حوار بين الاثنين. وعندما استقر هذا المسئول في مقعده في الطائرة، فتح حقيبة اليد التي يحملها، ليضع فيها جواز السفر والوثائق الأخرى، وفوجئ أنه وجد كيس الحلوى الذي اشتراه ما زال سليما في محفظته، وعندها فقط، انتبه أنه هو الذي كان يأكل من كيس الحلوى التابع للرجل وليس بالعكس، وأن ذلك الرجل لم يوجه له أي كلمة لوم أو ملاحظة، حتى أنه اقتسم معه  القطعة الأخيرة...
ونحن، كثيرا ما نلوم الآخرين، ونكون نحن نستحق اللوم، وكثيرا ما نظن السوء بالآخرين، وننظر إليهم بالسخط  أو العتاب، ونكون نحن من يستحق ذلك. ولو تمعنا في هذه القصة، لوجدنا أن حدثا كهذا، أو مصادفة كهذه، تصيب الكثيرين منا، وتواجه عددا كبيرا بيننا. فكل إنسان بطبيعته متسرع، يفكر في الدرجة الأولى بنفسه وبما يمت إليه بصلة، ويعتقد أنه هو مركز الكون، وأن كل شيء يحق له ويعود له ويجب أن يكون تحت تصرفه. وأحيانا وبدرجة ثانية يفكّر بالآخرين. وفي مجتمعنا العديد العديد من الأشخاص ومن الأفراد، الذين يواجهون مصاعب كثيرة، ومشاكل عديدة، بسبب عدم ترّيثهم، وبسبب تسرّعهم، ولكونهم لم يدققوا، ولم يفكّروا في الأمور كما يجب. وكثيرة هي المشاكل في حياتنا التي برزت وتفاقمت، لأننا كنا عديمي الصبر، وسريعي الغضب، وكانت ردود فعلنا غير مترويّة. ونحن نلاحظ هذه الأمور خاصة في الآونة الأخيرة، حيث اقتربت مواعيد الانتخابات، وأصبح الجميع في حركة وترقب وترصد للأمور، وغدت كل كلمة عادية بسيطة لها صدى كبير، بسبب التوتر الموجود، وأصبح لكل نظرة، ولكل ملاحظة، ولكل رأي، معنى كبير، أكبر بكثير مما يستحقه في الظروف العادية.
 وعندما تكون أعصابنا متوترة، وحواسنا مشدودة، يمكن أن نقوم بأخطاء كثيرة، قد تجلب علينا نتائج وخيمة، وقد تؤدي إلى أمور سلبية لم نقصدها، ولم نفكر بها، عندما قلنا ما قلناه، أو فعلنا ما فعلناه، وذلك نتيجة لعدم فهم الأمر، أو لتسرع، أو لعدم التدقيق والانتباه. ونحن نرى كل هذا، في  حين نعلم أن في مجتمعنا وفي تراثنا وفي تاريخنا، مئات الأحداث والشخصيات والنماذج العكسية، التي تدعونا إلى التروي والتعقّل والفهم والتدقيق ودراسة الأمور والتأكد من صحة كل نبأ، والسؤال والاستفسار قبل التصرف، والعمل بعقل ومنطق وهدوء واتزان. فدين التوحيد، يدعو الإنسان في كل الظروف، وفي كل الحالات، إلى التصرف بحكمة وتفكير، وليس بواسطة العاطفة والشعور الاستفزازي.  فرزانة الشيوخ لدينا معروفة ومشهورة في كافة أوساط العالم، وكثيرة هي الحوادث في تاريخنا التي شاهدنا كيف تم حل مشاكل كبيرة وتقويم أمور عويصة بهدوء ورزانة من قبل المشايخ الأفاضل.
  وقد كنا خلال مئات السنين، نحمل الفأس بيد، ونحمل السيف بيد أخرى، ونضع كتاب الدين في قلوبنا، وكانت حياتنا محفوفة بالمخاطر، لكن ذلك لم يمنعنا من التفكير السليم، والتعقل، والتصرف برزانة وهدوء.  فتواصلنا التاريخي واستمراريتنا، هي نتيجة لتعقلنا وهدوئنا، وإذا كنا نرغب أن نستمر في إطار توحيدي سليم، وفي نطاق معروفي واضح، علينا أن نتقيّد بالمثل العليا التي وضعها أمامنا أنبياؤنا وأولياؤنا ومشايخنا، ففيها العلاج الشافي لكافة الأوضاع، ولكافة الأمور، التي تتطلب تعقّلا وتفكيرا وتصرفا حكيما.
 وفي هذه الأيام، ونحن نقوم بزيارة مقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، ونجتمع فوق الأرض التي تضم رفات أوليائنا وأجاويدنا، منذ أبو السرايا غنايم وأبو عروس  وغيرهم رضي الله عنهم حتى الآن،  يحق لنا أن نفتخر ونعتز بتراثنا المجيد، وتاريخنا الشامخ، وتصرفاتنا النزيهة، وبدورنا الكبير في التاريخ، وهو الذي جعلنا نتمكن من  المحافظة على قدسية أمورنا، بالحكمة والتروي والاتزان.
 ونحن ندعو كافة أبناء الطائفة الدرزية في كل مكان، أن يتقيدوا بآداب الدين، وبأهداب المنطق، وبأسس العادات والتقاليد المعروفية المتبعة، ففيها بلوغ الهدف، وتحقيق الذات ، والوصول إلى السعادة، وإلى التعالي، وإلى القيام بالواجب، وإرضاء الله سبحانه وتعالى وكسب ثقة الإخوان والأقران، والمحافظة على الجذوة التوحيدية قائمة ومستمرة إلى زمن طويل. ومن أهم الخصال التوحيدية التي نعتز بها موضوع القناعة والرضى بما كتبه الله، سبحانه وتعالى لنا، والاكتفاء بالقليل والتكيف حسب الظروف، فدين التوحيد يشدد على التواضع  والاكتفاء بما يسره الله وعدم النظر إلى الماديات كعنصر له أهمية أو قيمة عند المؤمنين، والقناعة بما هو موجود، والشعور مع الآخرين، إن كانوا في ضيق، والحمد والشكر على ما هو موجود، والتوقع أنه يمكن أن يكون دائما الوضع أصعب، والرضى بالواقع والمتيسر، وعدم حسد الآخرين، وعدم التشبه بالغير، والعيش بالإمكانيات المتوفرة،  والتركيز على الروحانيات، والطمع في الدين فقط..
 وهنا تحضرنا قصة ذلك الطفل الصغير، الذي عاش مع والدته الأرملة في غرفة صغيرة على السطح، ولم تكن الغرفة بوضع جيد. وفي الشتاء كانت الأمطار تدخلها من السقف والجدران, وفي أحد الأيام الماطرة، لم تجد الأم وسيلة لتحمي ابنها من المطر، إلا أن تمسك باب الغرفة وتزيله من مكانه، وتضعه بشكل مائل على الحائط، وتضم ابنها في حضنها وتجلس وإياه تحت الباب لتحميه من المطر المتساقط. وعندما شعر الطفل ببعض الدفء، ابتسم ونظر إلى والدته قائلا: الحمد لله أنه يوجد لدينا باب، ماذا يفعل الناس الفقراء الذين ليس لديهم باب، عند سقوط المطر!! 
وكل عام وانتم بخير

سميح ناطور
دالية الكرمل
كانون ثان 2013
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.