spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 135
نضوج الطائفة الدرزية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
تحرير العبيد في عهد الحاكم بامر الله طباعة ارسال لصديق
بقلم د. سلمان حمود فلاح
لقد وقع في عهد الحاكم بأمر الله، إبّان تأسيس دعوة التوحيد الدرزية، حدث اجتماعي تاريخي كبير، كان تقريبا فريدا من نوعه في التاريخ، ولم يأخذ حقه في الكتب والمراجع التاريخية لعدة أسباب، وظل حدثا منسيا لا يعرفه إلا القلائل، بالرغم من أهميته وقيمته الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية الكبيرة. وهذا الحدث، هو تحرير العبيد، ومنع تجارة الرق وإطلاق سراح الجواري والمحظيات، وعدم استغلال النساء بأي طريقة سواء كن من الجواري أو لا.
 
وقد وقع هذا الحدث في عهد الحاكم بأمر الله، وبتعليمات منه، كجزء من عملية بث دعوة التوحيد الدرزية، التي اعتمدت في أصولها وأركانها على تقبّل الدعوة بحرية وبدون ضغط، وبالعقل الكامل، وبالمحبة الخالصة. فلكي يستطيع المرء في ذلك الوقت أن يقبل أو لا يقبل دعوة التوحيد الدرزية، اشتُرط به أن يكون بالغا صحيح العقل والجسم خاليا من الرق. وهكذا جاءت دعوة التوحيد ببشرى كبيرة وجديدة ومنعشة للمجتمع، وهي إطلاق سراح كل المستعبدين في الديار التي كانت خاضعة للدعوة الفاطمية. وكانت تجارة العبيد مألوفة في العالم منذ فجر التاريخ. فقد كانت الشعوب الغالبة تستعبد وتسبي الجنود المهزومين ونساء الشعب المغلوب. وكان ذلك متبعا في الجاهلية قبل الإسلام، إذ كانت القبائل تغزو الواحدة الأخرى، وكانت القبيلة الغالبة تفعل بالمغلوبة ما تشاء، ومنها العبودية والرق.  واستمر هذا الوضع فيما بعد، حيث كانت هناك طبقة من المغلوب على أمرهم، يُباعوا ويُشتروا ويصبحون ملكا لمن يدفع الثمن. وقد عجّت قصور الخلفاء والحكام في الدول الإسلامية المختلفة بالعبيد وبالجواري، وبكل أشكال الاستعباد والتملك. وكاد أن يكون هذا الأمر مألوفا ومقبولا على الخلفاء والحكام وعلى الجماهير وعلى المؤرخين فيما بعد.
ولما تولى الخلافة الحاكم بأمر الله في أواخر القرن الحادي عشر، وكان ما زال في عهد الفتوة، توقع الكثيرون منه أن يفعل ما فعل غيره قبل ذلك في وعهده، لكنه فاجأ الجميع بتعاليمه الصارمة، وأوامره المشددة، التي نادت بالعدل والمساواة بين جميع الناس، وبين كافة طبقات المجتمع، فاستغرب الكثيرون هذا التصرف من شاب فتى توقعوا منه أن يتصرف كباقي الشباب. وعندما تم بث دعوة التوحيد الدرزية، ترسّخت هذه الأوامر في كل طبقات المجتمع، وكان الحاكم بأمر الله قد اضطر إلى استعمال يد من حديد لكي يضع حدا لفساد الأخلاق والإباحية وسوء التصرف، الذي ساد في مصر في تلك الأيام. وكان الحاكم بأمر الله يعيّن الوزراء والمسئولين ويأمرهم بالاستقامة والعدل، وكان يغمرهم بالمنح والعطايا، كي لا تسول لهم أنفسهم أن يأخذوا من أموال الرعية، لكن الكثير منهم، وبالرغم من كل ذلك، أباحوا لأنفسهم التعدي والتطاول على أموال الآخرين، فأمر الحاكم بأمر الله بقتلهم، وذلك من أجل الردع ومن أجل التوجيه الصحيح لباقي المسئولين في الدولة.
وقد شهدنا في التاريخ محاولات لمنع الرق، لكنها لم تنجح، وكلنا يعرف قصة ثورة العبيد في روما بقيادة إسبارتاكوس من أجل الانطلاق والحرية. وفي القرن التاسع عشر حاول الرئيس أبراهام لينكولن في الولايات المتحدة تحرير العبيد ووقعت الحرب الأهلية المشهورة. وفي العصر الحديث اهتم العالم بتوقيع معاهدات لمنع العبودية، أهمها معاهدة جنيف التي وُقعت في الخامس والعشرين من شهر أيلول عام 1926 التي وقعتها دول كثيرة في العالم. وقامت بعض الدول العربية بالتوقيع المتأخر على هذه الاتفاقية. وكانت بريطانيا قد ألغت تجارة العبيد سنة 1807 وقامت الحرب الأهلية في الولايات المتحدة عام 1864 وأعلنت البرازيل عن إلغاء الرق عام 1887 وتلتها دول أخرى بعد ذلك.
وكان الحاكم بأمر الله قد منع كل استعباد، وكل تحكم في مصير أي إنسان. ومن هذا المنطلق، منحت الدعوة الدرزية الحقوق الكاملة للمرأة وساوتها بالرجل، ومنعت تعدد الزوجات وأعطت المرأة إمكانية الطلاق. وكان ذلك قبل ألف سنة، واستمر الدروز على هذا المنهج حتى اليوم، وهم ينظرون بفخر واعتزاز إلى الآخرين، الذي ما زال قسم كبير منهم مستمرا في استعباد المرأة واعتبارها عنصرا ناقصا في المجتمع.
وهذه الفضائل التي جاءت بها الدعوة الدرزية، تُعتبر عملية إصلاح اجتماعي كبير، بدأ قبل ألف سنة وظل مُطبَّقا عند أبناء الطائفة الدرزية في قراهم النائية وفي مجتمعاتهم المغلقة. أما العالم من حولهم فقد مر بحروب كثيرة ووقعت فيه مآسٍ جمّة وعانى الكثير الكثير لكي يتخلص من بعض هذه الظواهر، واستطاع فقط في وقت متأخر أن يحقق هنا وهناك مكسبا من المكاسب التي ينعم بها المجتمع الدرزي منذ عدة قرون.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.