spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 127
النهج وليد الفكر
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
من قصص سيدنا أبو ذر (ع) طباعة ارسال لصديق
بينما كان عمر بن الخطاب جالساً في بعض الأيّام وحوله أكابر الصحابة. وأهل الرأي والإهابة. وهو في القضايا. يحكم ما بين الرعايا. إذ أقبل شاب من أحسن الشباب. نظيف الأثواب. يكتنفه شابّان من أحسن الشباب أيضاً. وقد سحباه وجذباه. وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين ولبّباه. فلمّا وقفوا بين يديه. نظر إليهما وإليه. طبعاً نظرة استفهام. فتقدّم الشابّان وقالا: يا أمير المؤمنين نحن أخوان شقيقان. جديران باتّباع الحق حقيقان. كان لنا أب شيخ كبير. حسن التدبير. معروف بفضائله. منزه عن رذائله. معظّم ما بين قبائله. ربّانا صغاراً. وأولانا منناً غزاراً. كما قال الشاعر: لنا والدٌ لو كان للناس مثله  ۞  أب آخر أغناهم بالمناقب.    قال: فخرج اليوم إلى حديقة له ليتنزّه في أشجارها. ويقطف يانع ثمارها. فقتله هذا الشاب. وعدل عن طريق الصواب. فنسألك القصاص عمّا جناه. والحكم به بما أمر الله. قال: عندئذ نظر عمر إلى الشاب. وقال: قد سمعت فما عندك لهذا جواب؟ فتقدّم الغلام. وسلّم أحسن سلام. وأفصح عن مثل الجُمان. وحيّا بتحيّات حِسان. وهو مع ذلك ثابت الجأش. خالٍ من الاستيحاش. قد نزع ثياب الجزع. وخلع ثياب الهلع. أقسم وقال: والله يا أمير المؤمنين لقد صدقا فيما نطقا. وأخبرا بما جرى وَوَعَيَا بما ادَّعَيَا. وسأُنْهي قصّتي إليك. والأمر بعدها لديك. إعلم يا أمير المؤمنين بأنني زعيم من العرب العُربان نبتُّ في منازل البادية. وسبخت عَلَيَََََّ أُسود السنين العادية. فأتيت إلى ظاهر هذا البلد. بالمال والأهل والولد. فأفْضَتْ بي بعض طرائقها. للمسير بين حدائقها. بنياقٍ إليَّ حبيبات. عليَّ عزيزات. يقدمهم فحل. مليح الشكل. كريم الأصل. كثير النسل. حلو النتاج. يمشي بينهم كأنّه ملك عليه تاج. قال: فتقدّم النُوق إلى حديقة قد ظهر من الحائط شجرها. فتناولتها بمشفرها. فتقدّمت وطردتها عن تلك الحديقة. وإلا شيخ قد ظهر. وتسوّر الحائط وزفر. وبيده اليمنى حجر. يتهادى كالليث إذا خطر. فضرب الفحل بذلك الحجر. فأصاب مقتله وأماته. فلمّا رأيت الفحل قد مال لجنبه وانقلب. توقّدت فيّ جمرات الغضب. فتقدّمت ومسكت ذلك الحجر بعَينه. فضربته به فكان سبب حَيْنه. ولقي سوء منقلبه. والمرء مقتول بما قَتَل به. فوقع بعد أن صاح صيحةً عظيمة. وأنَّ أنَّةً جسيمة. فأسرعت هارباً من مكاني. وخفق لذلك جَناني. فلم أكن بأسرع من هذين الشابّين فأمسكاني. وأحضراني كما تراني. قال له عمر: لقد اعترفت فيما اقترفت. وجب القصاص. وتعذّر الخلاص. ولات حين مناص. قال الشاب: سمعاً وطوعاً لما حكم الإمام. ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام. ولكن يا أمير المؤمنين لي أخ صغير. كان له والد خبير. خصّه قبل وفاته بمالٍ جزيل. وذهبٍ جليل. أحضره بين يديّ. وأشهد الله عليّ. قال: "هذا لأخيك عندك. فاحفظه جهدك". فاتخذت لذلك المال مدفناً. ودفنته به. ولم يدْرِ به أحد إلاّ أنا. فإن حكمْتَ الآن بقتلي ذهب الذهب. وكنت أنت السبب. وطالبك الصغير بحقّه. يوم يقضي الله بين خلقه. وإن انتظرتني ثلاثة أيام. أقمت من يتولّى أمر الغلام. وعُدْت وافياً بالذمام. ولي مَن يضمن على هذا الكلام. قال: فنظر عمر إلى من حضر وقال: "مَن يقوم على ضمانه. والعَود إلى مكانه". فنظر الشاب إلى وجوه أهل المجلس الناظرين. وأشار إلى أبي ذر (ع) دون الحاضرين. قال: هذا يضمنني. وهو الذي يكفلني. قال عمر: "يا أبا ذر أتضمن هذا الغلام؟" قال: نعم أضمنه إلى ثلاثة أيّام. قال: فرضي الشابّان بضمان أبي ذر. وانظراه ذلك القدر. فلمّا تقضّت مدّة الإمهال. وكاد وقتها يزول أو زال. حضر الشابّان إلى مجلس عمر. والصحابة حوله كالنجوم حول القمر. وأبو ذر قد حضر. والخصم ينتظر. فقالا: أين الغريم يا أبا ذر. وكيف يرجع من قد فر. فلا نبرح من مكاننا. حتى تفي بضماننا. فقال أبو ذر: وحق الملك العلاّم. إن انقضى تمام الأيّام. ولم يحضر الغلام. ويفي بالذمام. وفَيت الضمان. وأسلمت نفسي وبالله المستعان. قال عمر: والله لئن تأخّر الغلام. لأمضين في أبي ذر ما اقتضته شريعة الإسلام. قال: فعند ذلك عظم الضجيج. وتزايد النشيج. وهملت عَبرات الحاضرين. وانفضّت زفرات الناظرين. قام كبار الصحابة والجماعة المسؤولين عرضوا على الشابّين أخذ الدية. واغتنام الأثنية. فأصرّا على عدم القبول. وأبيا إلاّ الأخذ بثار المقتول. قال: فبينما الناس يضجّون تلهّفا لما مر. ويصيحون تأسّفاً على أبي ذر. وإلاّ الشاب قد أقبل من صدر البرّيّة وهو يركض في سيره. قال: ثمّ دخل وسلّم على الإمام. أحسن سلام. ووجهه يتهلّل مشرقاً. ويتكلّل عرقاً. قال: يا أمير المؤمنين قد سلّمت الصبي إلى أخوالي. وأطلعتهم على حقيقية حاله وأحوالي. ثم اقتحمت هاجرة الحَر. ووفيت وفاء الحُر الأغَر. قال: فعجب عمر من صدقه ووفائه. وإقدامه على الموت واجترائه. قال: يا أمير المؤمنين: من غَدَر. لم يعفُ عنه من قَدَر. ومن وفا. رحمه الطالب وعفا. وتحقّقت أن الموت إذا حضر لم يَنْجُ منه احتراس. وبادرت كي لا يقال ذهب الوفاء من الناس. أما السيد أبو ذر فقال: إعلم يا أمير المؤمنين بأنني ضمنت هذا الغلام. ولم أعرفه من أي قوم. ولم أره قبل ذلك اليوم. ولكن عندما نظر. إلى من حضر. وقصدني. وقال: هذا يضمنني. فلم أستحسن ردّه. وأَبَت المروءة أن تُخَيِّب قصده. إذ ليس في إجابة القصد من باس. كي لا يقال ذهب الفضل من الناس. فتقدّم الشابّان وقالا: يا أمير المؤمنين قد وهبنا لهذا الغلام دم أبِينا. فلتُبْدَل وحشته بإيناس. كي لا يقال ذهب المعروف من الناس. قال: فاستبشر الإمام. بالعفو عن الغلام. وعجب من صدقه ووفائه. واستغزر مروءة أبي ذر دون جلسائه. ثم أثنى على الشابّين بما صنعاه من المعروف. ممتثلاً بقول الشاعر:من يصنع الخير لا يَعْدَم جوازِيَهُ ۞ لا يذهب العُرْفُ بين الله والناس. ثم عرض عليهما أن يصرف لهما دِيَة أبيهما من بيت مال المسلمين. فأبيا وقالا: إنّما عفونا عنه ابتغاءً لوجه الله تعالى. ومن كانت نيّته كذا. لا يُتْبِع إحسانه مَنّاً ولا أذى. قال الراوي: فاعتدتها من أنفس العجائب. وأثبتّها في ديوان الغرائب. وهي من أعجب العجائب.

من المصادر العربية   
  
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.