spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 108
رسائل لفضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
محاضرة: أهمية الماء في التوحيد الدرزي طباعة ارسال لصديق
محاضرة لفضيلة الشيخ موفق طريف
الماء هو نعمة عظيمة، قد أنعم الله سبحانه وتعالى بهـا علينا لنحيا,  قال تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (ص)} فلا حياة بلا ماء، بعثهُ الله منهمراً من السماء ليكون مصدر الحياة وشريانها الأساس, وقال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ (ص))  وهذه النعمة ربانيَّة يجب علينا أن نحسن التصرف معها, والاستعمال لها, وأن نحافظ عليها ولا نفرط بها. الماء خيرٌ من الخيرات التي وهبها العلي القدير لبني البشر, التي  تزخر بها الطبيعة, ليستفيد منها كلُ حيٍّ. مع الوقت, تعوّدنا أن نرى بالماءِ شيئًا بديهياً, رغم كونه عنصراً  أساسياً في كياننا وفي حياتنا, لدرجة أن البعض منّا, بات لا يُقدِّر أن هذه الخيرات, التي هي مِنحٌ رباّنية, أسبغها علينا الخالق سبحانه محبة فينا وإكراماً لنا, كي تستمر الخليقة في مسيرتها, وفي طريقها من جيل إلى جيل, نحو الحياة الأفضل والعيش الكريم .
لقد تعوّدنا أن نرى هذه المياه كحقيقة مفروغ من وجودها, وأنه من المستحيل أن تنضبَ, أو تُفقدَ أو تزول او تنتهي. ونحنُ طبعاً, كأُناس مؤمنين, لا نفقد الأمل, في ان الله, سبحانه وتعالى, سوف يديم هذه النِعَم علينا, لكن وفي نفس الوقت, علينا أن نظل حامدين شاكرين, وأن نتصرفَ عند استغلال ما وهبنا الله بحكمةٍ وبدراية,  وأن لا نبذِّرَه ولا نُفسدهَ، وأن نحافظَ على نقاوة وطهارة هذه الموارد في كل وقت وفي كل حين. هدرُ الماء من الإسرافِ, والإسراف غير محمود, وقد ورد في كتابهِ تعالى موجهاً عباده{وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إن اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (ص)}. وقال الرسول الكريم (ص) (لا تُسرف في الماء وإن كنت على نهر جارٍ).
 إذاً, الماء هو عنصر حيوي في حياتنا اليومية, نستعمله في كافة المرافق الحياتية, فهو جزء لا يتجزّأ منا, لا بديل له, وأجسامنا مبنيَّةٌ من هذا العنصر, وهو ضرورةٌ لا غِنىً عنها في نظافتنا وطهارتنا ونظافة ملابسنا, وهو ضروريٌ في الصناعة وفي الزراعة وفي البناء وفي كافة المجالات والمرافق الحضارية.  الماء مباركٌ في الأديان السماويةِ جميعها, فهو يحيى الأرض وينبت الزرع, وبهِ يعُم الخير وجه البلاد ويقول تعالى في هذا: (وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّات وَحَبّ الْحَصِيد (ص)).
نحن لا نشعر بأهمية الماء, إلا عندما تنقطع المياه في بيوتنا, عندها نشعر بالضرورة الماسَّة لهذا العنصر البسيط والهام الذي يُدعى الماء وكلما طال انقطاع الماء وانحباسه عنّا, كلما اشتد شعورنا بأهميته وضرورته لنا, وتحسرنا  وأسفنا لفقدانه.
مع أن الماء متوفرٌ بكثرة والحمد لله في الطبيعة, إلا أن الإنسان المتحضر المتطور, رغم تحضره, أساء التصرف بموارد المياه الطبيعية, لذلك نجد في الآونة الأخيرة, شحّاً ما في مخزون المياه.
تقوم مؤسسات البيئة والموارد الطبيعية بالتحذير, من يومٍ نفقد فيه الكثير من المياه المتوفرة حالياً, وتطالبنا هذه المؤسسات, وبحق, بالتوفير والتقنين, في استعمال المياه, والانتباه إلى الخطر الكامن وراء الأفق, إذ ليس من المستبعد أن يجتاح الجفاف مناطق واسعة من البلاد إذا شحت المياه. أضف إلى ذلك العوامل البيئية السيئة التي تسبّبُ تلويثَ مصادر المياهِ, بحيْثُ لا يستطيعُ الإنسانُ أن يستعملَها, وكثيراً ما نسمعُ عنْ عوامل ملوِّثه تلوّث مساحات واسعة من البحار فتقضي على الثروات المستخرجة منه, أو عن مصانع للكيماويات تتسرب فضلاتها الى المياه الجوفية فتلوثها, وتتسبب في عدم صلاحيتها لأي استعمال. وكما هو الحالُ في كلّ الميادين,ِ تكفينا كميٌة قليلةٌ من السموم ِ لكيْ تُفسدَ كميات هائلةٍ من المياه. لذلك يترتب على الإنسان ,أن يَنتبهَ وأن يظلَّ صاحياً لهذِهِ الحقائق والأوضاع,  وحريصاً على تجنبها , وأن يعمل ما بوسعهِ مع الآخرين على محاربتها, فالسحابة في السماء, لا تفرّق بين الحدود على الأرض, ولأن الدخان الكثيف المتصاعد من المصانع, لا يقف عند نقطةِ معبرٍ هذه, أو تلك, والأنهارَ الجارية والمياه الجوفية, كانت ولا زالت لا تعترف بالحدود, ولا زال الخطر كامنٌ لكل مَنْ يتواجد تحت وقع تلك الكوارث, وبما أن الماء هو أهم مقوِمات الحياة فعلينا  ألاّ نستخف بالأمور والمكونات التي تُفسدهُ أو تفنيه, وأن نحاربها بكلِ ما أتينا مِن قوةٍ وجدارة.
اسمحوا لي أيها الأخوةُ الكرام أن ألِجَ وإيّاكُم موضوع الماء في العُرفِ والعادات والتقاليد الدرزية العريقة, وفي الذاكرة الجماعية لأبناء طائفة الموحدين الدروز.
الماء في الأعراف والذاكرة الدرزية, وفي الكيان المعيشي لأبناء الطائفة, هو عنصرٌ هام وحيوي في بيوتهم وقراهم, مثلما هو حيوي لكل الناس, ولكن هناك بعض النُبذ التي أحب أن أتوقف وإياكُم معها, وهي متعلقة بتاريخ الموحدين الدروز.
 قبل سنوات, احتفلنا في قرية جولس, بمرور مائتيْن وخمسين عاماً, على وفاة أحد الأولياء الصالحين في تاريخ الدروز في بلادنا, وهو فضيلة علم التوحيد الشيخ علي الفارس رضي الله عنه. وقد عاش الشيخ علي الفارس (ر) حقبة من حياته يتعبّد في مغارةٍ في وادي السْماك إلى الشرق من قريتي يركا وجولس, وكان أجدادنا يقومون على رعايته ويحملون الماء والزاد إليه يومياً تقريباً, مشياً على الأقدام. وقد أراد فضيلته, أن يوفرَ عليهم هذا العناء, فابتهل الى الله سبحانه وتعالى, سائلاً أن يوفرَ له الماء. وعندما كان جالساً في مغارته يسبّحُ بحمد ربه, أخذت نقاط الماء تتساقط من سقف المغارة, موفرةٌ له كل ما يحتاجه من هذا العنصر الحيوي, وما زالتْ هذه المغارة موجودة حتى يومنا هذا وتسمى "بالنقاطة" نسبة إلى نقاط الماء التي ما زالت تتساقط منها, وما زالت مزاراً للزوّار, حيث أضحت مكانا مقدّسا,ً يرتاده الشيوخ والمؤمنون وطلاب المدارس, لِما فيه من عِبرة ورمز ودروس.
وفي مقام سيدنا شعيب عليه السلام في حطين, توجد عين ماء, ذُكرت في التاريخ منذ عهد القائد صلاح الدين الأيوبي, حيث شرب حصانه منها, بعد ان بُشِّرَ بالفوز في معركة حطين, والتي شرع بعدها ببناء العقد التاريخي الذي كان نواة البناء في المقام الشريف فيما بعد.   
هذه العين ما زالت منذ أكثر من ثمانمائة سنة تتدفق بمياهِها العذبة برِقةٍ ونقاوةٍ وسخاء, فيرتوي منها الزائر ونبات الأرض.
أيها الجمع الكريم - بعد ان شحّت المياه في بعض المناطق في العالم, وبعد أن استحوذت الصناعة قسماً كبيرا من مصادر المياه, توصل الإنسان الى إمكانية تكرير المياه واستعمالها في الزراعة من جديد, أو تنقية مياه البحار وجعلها صالحة للشرب، لا بأسَ, في نظري- أن يبحث الإنسان دائماً عن مصادر جديدة للمياه.  لقد وهبَ الله سبحانه وتعالى, الخيرات للإنسان, ووهبه العقل الكامل كي يستطيع أن يتدبر شؤونه بالشكل السليم الصحيح.     
خِتاماً, أيها الحضور الكريم, نحمد الله على نِعَمِه, وعلى أنهُ وفّر لنا الماء والغذاء والهواء والمعادن والمصادر الحياتية الأخرى. أن هذه الأشياء ليست أشياءً مفروغٌاً منها ومفهومةٌ ضمناً, وإذا أراد الإنسان منا أن تدوم هذه النعم عليه, فعليه أولا أن يحمد الله سبحانه وتعالى, ويشكره على هذا العطاء الذي مَنَّ بهِ عليه.  قال تعالى في كتابهِ العزيز: " وإن شكرتُم لأزيدنكُم (ص) " وقال جل جلالهُ "واذكروا نعمة الله عليكم (ص)"
وقال سبحانه كذلك : " وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  )ص)" , فعلى الإنسان أن يحافظ على نعم الله وأن يحافظ على هذه الكنوز, التي مَنَّ اللهُ بها عليهِ بغير مُقابل أو حساب, وأن يتقيَّدَ بالقوانين والأصول والتقاليد التي وضعت ورسِّمت من أجل الحفاظ على الإنسان وعلى الموارد الطبيعية, كي تستمرّ هذه الحياة في مسيرتها الطبيعية. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.