spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 88
سيرة حياة فضيلة الشيخ امين طريف رحمه الله
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143
العدد 142


 
قصة: أفق يا عابد الأصنام طباعة ارسال لصديق
قصة بقلم السيد خالد أبو سعدة

أفقت مذهولا على هذا الصوت. تعوذت بالله من الشيطان الرجيم وتلوت آيات من القرآن ثم بدأت طقوسي المعتادة للذهاب إلى العمل.
منذ سنة وأنا أسمع هذا الصوت كل ليلة . يوقظني وكأنني على موعد معه كل صباح. " عابد أصنام ؟ أنا؟ هذا غير معقول فأنا موحد أؤمن بالله وأؤدي فرائضي دون أدنى تقصير".
ركبت سيارتي وغادرت قاصدا العمل لكن تلك الفكرة ظلت تؤرقني " هل أنا حقا عابد أصنام؟ " لم أعد أستطيع التركيز على أية فكرة أخرى .
قررت أن أتوقف أمام منزل الشيخ إحسان , فهو من الأجاويد ولابد لي أن أجد لديه الإجابة.
طرقت باب الشيخ إحسان , ففتح الباب .
" خيرا إنشاء الله ما الخطب يا سليم؟"
" آسف لإزعاجك في هذه الساعة المبكرة من الصباح لكن هناك فكرة تؤرقني وأتمنى أن أجد لديك الجواب الشافي"
" تفضل أدخل, ما الخطب؟"
"إنه صوت يؤرقني منذ أكثر من سنة , في كل ليلة أسمعه يقول لي أفق يا عابد الأصنام فما تفسيرك لهذا يا شيخنا الفاضل؟"
"لابد أنها أضغاث أحلام , فجميع أهل الحارة يشهدون بأخلاقك وسيرتك الحسنة. أنت ابن حسب ونسب وتعمل بجد وإخلاص. لابد أنها أضغاث أحلام, لا تكترث لها"
شكرت الشيخ إحسان وانصرفت.
ذهبت إلى عملي . بدأت تاجرا صغيرا في دكان ورثته عن والد زوجتي لكنني ما لبثت أن كبرت وازدهرت أعمالي حتى أنني أملك اليوم خمسة متاجر.
أنهيت عملي وعدت للبيت , كنت متعبا فما لبثت أن أسلمت نفسي للنوم.
مرة أخرى عاد الصوت ليوقظني في الصباح الباكر " أفق يا عابد الأصنام". قمت فزعا وأخذت بالصراخ " اتركني لحالي , ماذا تريد؟ "
أفاقت زوجتي هذه المرة وأخذت تهدئ من روعي.
عدت للنوم لكن الصوت عاد ليقول " اسأل يقظان يا عابد الأصنام"
يقظان ؟ ما دخل يقظان بالموضوع؟ ولماذا علي أن أسأله؟
قمت من النوم , غيرت ملابسي بسرعة, وقصدت بيت يقظان.
يقظان , أعرفه جيدا , فقد كان زميلي في الجامعة, لكنني لم أره منذ زمن بعيد. إنه شخص غريب الأطوار يعيش منعزلا عن الناس,و يمضي معظم وقته متسكعا في الحقول.
وصلت إلى منزل يقظان, طرقت الباب, ففتح يقظان مبتسما. لاحظ الارتباك على وجهي فبادرني قائلا" صباح الخير يا سليم , تفضل"
دخلت, كان البيت متواضعا لكنني أحسست بالارتياح.
" خيرا ما الذي جاء بك اليوم , لابد أنه أمر هام"
"هناك سؤال يؤرقني يا يقظان. في كل ليلة أسمع صوتا يناديني" أفق يا عابد الأصنام " والليلة طلب مني أن أسألك فأتيتك سائلا إن كنت تستطيع حل هذا اللغز "
تبسم يقظان وقال" خيرا إنشاء الله, لابد أنه خير, أتعلم يا سليم بأنني سمعت ذات الصوت منذ سنوات طويلة"
" حقا وماذا فعلت؟" قلت بدهشة
" ظل يطاردني حتى أدركت أنني كنت أعبد أصناما"
" أنت كنت تعبد الأصنام ؟ لكن لماذا يناديني أنا فأنا لم أعبد صنما قط "
" حقا ؟" أجاب يقظان, ثم تابع " أعرفك منذ زمن بعيد فقد درسنا في الجامعة سويا وأعلم أنك كنت تحب إحدى زميلاتنا وكانت تدعى إيمان, لكنك ما لبثت أن تركتها وتزوجت بريم ابنة التاجر أحمد, فماذا حدث؟"
لقد أعادني بذلك السؤال إلى الوراء ثلاثين عاما, خيل إلي أنني نسيت لكن سؤاله أيقظ كل تلك الذكريات.فقد كانت إيمان أقرب الناس إلى روحي، أعلنا خطبتنا واتفقنا على الزواج لكن أبي عارض بشدة ورأى أن من مصلحتي أن أتزوج بريم لأنها سترث أموال أبيها. حينما فكرت بالأمر وافقت أبي فقد اقتضت مصلحتي ذلك .
تبسم يقظان بعد أن سمع روايتي وسألني " قد بدأت أعمالك في محل متواضع وأذكر أنه كان بجوارك متجر لأبي صلاح فهلا أخبرتني ما حلّ به؟"
مرة أخرى عادت بي الذاكرة ثلاثين عاما إلى الوراء. فأبو صلاح كان جاري في المتجر, كان رجلا طيبا وبشوشا لكنه كان مصدر أذى لي. فالناس كانوا يفضلون بضاعته على بضاعتي وكان لابد لي من فعل شيء كي لا أفلس. لجأت إلى معارفي في الحكومة فقاموا بتلفيق تهمة مخالفة بالأسعار وعلى أثرها أقفلوا محله وقمت أنا بشرائه. العمل عمل. إنه صراع بقاء والبقاء للأقوى والأشطر.
تبسم يقظان مرة أخرى وسألني " وماذا عن أبي سعيد"
"أبو سعيد !!!! آه أبو سعيد أيضا كان منافسا لي وكان لابد لي من تخفيض أسعاري بشكل لا يستطيع هو منافسته مما أدى إلى إفلاسه فاشتريت محله واحتكرت السوق وقمت برفع الأسعار لتعويض ما خسرت. لقد كانت خطة ذكية ألا تتفق معي؟ "
" وماذا عن ابنك مروان ؟ لِمَا لم تزوجه زميلته سلمى؟"
"إنها فتاة فقيرة وليست من مستواه, ثم كان لابد لي من أن أزوجه ابنة صديقي فؤاد فهو مسئول مهم في الدولة ولا بد لي من أن أوطد علاقتي به"
صمت يقظان للحظات ثم قال" ألا ترى يا سليم أنك طيلة حياتك لم تعبد إلا المال والجاه. ربما جاهرت بأنك موحد وانك تعبد الله لكنك لم تتخذ قرارا واحدا في حياتك محبة بالله أو خوفا منه. كل أفعالك وقراراتك مبنية على ما يجلب لك مزيدا من المال حتى تبرعك بالمال للجمعيات الخيرية إنما غرضه أن يجلب لك مزيدا من المعارف والشهرة لتسيير مصالحك. أنت عبد المال لا مالكه كما تظن. هذه هي عبادة الأصنام "
وقع كلام يقظان علي كالصاعقة, فجأة أدركت أنني كنت عابد أصنام, عشت حياتي أخدع نفسي وأخدع من حولي.أجهشت بالبكاء. بكيت وبكيت ثم أحسست بيد يقظان تربت على كتفي وهو يقول" لم يفت الأوان, لم يفت الأوان, مادام في العمر بقية لم يفت الأوان"
عن موقع السويداء نت مع الشكر. 
 
< السابق
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.