spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 132
مشيخة العقل في منطقة حلب
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 149
العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145


 
كلمة العدد: فلنحافظ على ما تبقى.. طباعة ارسال لصديق
قال أفلاطون الحكيم: "ليس للعاقل أن يشغل قلبه فيما ذهب منه، ولكن يُعنى بحفظ ما بقي له." وقال بعده الفيلسوف أرسطو:  "ليست الشجاعة أن تقول كل ما تعتقد، بل الشجاعة أن تعتقد كل ما تقوله."  وفي القولين حكمة كبيرة ومواعظ جمة حبذا لو تعلمنا منها وتقيدنا بها، فقبل أيام، احتفلنا جميعا بعيد الأضحى المبارك،أعاده على الجميع بالخير واليمن والبركات، وهنا يمكننا أن نقول إنه لا يوجد نموذج أصدق من عيد الأضحى، ليصف وضع طائفتنا الدرزية في هذه الأيام، وما وصلنا إليه، وما نحن موجودون فيه. ففي هذا العيد المبارك، وفي ليالي العُشر التي تسبقه، تجد المشايخ الأفاضل الأتقياء الضليعين في التدين، والمتمكنين في التقوى، يواظبون في الليالي العشرة المباركة وفي أيام العيد، على تنفيذ كافة الشعائر، وحتى الصيام عن الأكل، وكذلك الصيام عن كل شيء آخر فيه ملذات أو تمتع أو ابتهاج زائد بالدنيا. ونجد المشايخ العاديين يقومون بواجباتهم من حيث المواظبة والمشاركة والقيام بالشعائر الدينية المختلفة.   وبطبيعة الحال يزيد عدد هؤلاء في ليالي العشر والعيد، ويكثر نشاطهم، لكنهم يظلون أقلية بين أبناء الطائفة الدرزية ككل، فالأغلبية في الطائفة ما زالت غير متدينة، وبالنسبة لمعظمها، العيد هو سفر ورحلات وملاه وملذات ومأكولات شهية وصرف وتبذير، هذا عدا عن المفرقعات وأحيانا المشروبات والأمور الأخرى التي تسيء للمجتمع.
 ومن ينظر إلى العيد اليوم ويقارنه بالعيد قبل ثلاثين أو أربعين سنة، يجد أن أشياء كثيرة تغيّرت، وأن الطائفة الدرزية فقدت العديد من القيم والعادات التي عاشت عليها وألفتها خلال مئات السنين.فقد فقدنا المشاركة والمعايدة والحرارة والدفء والتعاون وجو التصافي والود، وخسرنا الكثير من فضائل العيد ومن سجاياه التي منحتنا الصمود والقوة، لأن نستمر في وجودنا كطائفة معروفية لها جذور وسمات.
 وما فقدناه في العيد، فقدناه كذلك في نواح أخرى من حياتنا، فالجو القروي المنعش الذي ساد وخيّم في قرانا في السابق، تحوّل إلى ضجيج السيارات وضوضاء الشارع وانعدام المشاركة وزيادة التنكر، ليس فقط بين أبناء القرية الواحدة، وإنما أحيانا بين أفراد الأسرة الواحدة. وقد اندمجنا بشكل مكثف وزائد في المدنية الحديثة، فبدل أن نحافظ على ما يليق بنا من تراث وقيم وعادات، وأن نستوعب التقنيات الجديدة ونلائمها لعاداتنا وتقاليدنا، فعل الكثير منا العكس، وتنازلوا عن كل ما لديهم، وقاموا بتبني كل الأمور الدخيلة التي لا تليق بنا بحجة المدنية والرقي والتقدم .
ونحن طبعا لا نعارض أن يتقدم الإنسان، وأن يملك السيارة والتلفزيون والحاسوب، ولا نعارض أن يكيف الإنسان الدرزي حياته للمتغيرات الجديدة، إنما نعارض أن يفعل ذلك ويتنكر لكل القيم التي نشأ عليها آباؤه وأجداده. ونحن نرى اليوم، أن هناك جيلا كاملا من الآباء والأمهات غير المتدينين، لا يعرفون شيئا عن الدين والطائفة والتراث، وهذا ينعكس على أولادهم الذين يلتهمون ثقافة الحاسوب والانترنت، ويبتعدون بخطى سريعة عن الأصالة والتقاليد.
وهنا لا يسعنا في هذا الموقف أن نبدأ بالبكاء على ما خسرنا وعلى ما فقدنا، بل علينا كما قال سيدنا أفلاطون أن نحافظ على ما بقي لدينا، وقد بقي لدينا الكثير، وذلك بأن يكون هناك تعاون بين رجال الدين، وجهاز التربية والتعليم، والسلطات المحلية، وكافة القوى المتنورة في الطائفة، وبين الأهالي، ولجان الأهالي، وبين الجمعيات المختلفة الموجودة بيننا، بما في ذلك الجمعيات النسائية،  من أجل وضع مخطط شامل لنشر الثقافة التوحيدية، والأسس المعروفية، والتعاليم الحقيقية في نفوس الأجيال الشابة بيننا، والاستمرار في هذه النشاطات حتى للكبار والبالغين، الذين قد يصل الواحد منهم أحيانا إلى الشيخوخة ويموت هرما، وهو لا يعرف كلمة، أو فكرة، أو جملة، أو مبدأ من الأصول التوحيدية. فعلى كافة الأوساط أن تترفع عن صغائر الأمور، وأن تجند كل طاقاتها لإنجاح هذا العمل وتطبيقه وإعداده بالشكل الجيد والمناسب كي ينجح ويستمر.ونحن نشهد اليوم ألمحاولات  التي يقوم بها المجلس الديني الدرزي الأعلى، وقسم الطوائف في وزارة الداخلية، ودائرة التعليم الدرزي في وزارة المعارف، والمجالس المحلية الدرزية، وجمعيات شبيبة ومؤسسات أخرى، في تنظيم أيام دراسية ومؤتمرات ومخيمات ولقاءات وزيارات ومحاضرات وأمور كثيرة أخرى، وهي أعمال مباركة يجب تشجيعها وتكثيفها والاستمرار بها. لكن ما ينقصنا هو الإعلان عن حملة شاملة لهذا الغرض، وعن وضع خطة كبيرة، تضم كافة الوسائل الموجودة والمقبولة لتحقيق هذا الهدف، على أكبر عدد من شرائح المجتمع، دون نسيان أو إهمال أي فئة أو مجموعة.وهذا العمل يتطلب منا جهودا كبيرة ورصد إمكانيات كثيرة والعمل بتنسيق مع كافة الأطراف والإعلان عن وحدة الهدف وعن التعاون في التنفيذ وأن نتفق جميعا على الخطوط العريضة التي نعتقد أنها لمصلحة الطائفة ومن أجل مستقبل أبنائها.
نحن نعلم أن كل إنسان مسئول في الطائفة يغار على مصلحتها وينوي الخير لها ويهمه جدا أن تتقدم وأن تحافظ على كيانها ووجودها، ونحن متأكدون أنه إذا اختلفت الآراء، فالهدف واحد والمنطلق واحد، وأن كل إنسان درزي غيور على أهله وذويه ومجتمعه، لذلك نستغل فرصة حلول الزيارة المباركة لمقام سيدنا أبي عبدالله في عسفيا، لنحيي الجميع وندعوهم إلى المشاركة الفعالة في تنظيم حملة توعية وبرنامج تثقيف هادف، راجين من الله، سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع ويهديهم إلى الخير وكل عام وأنتم بخير.  

والله ولي التوفيق

سميح ناطور
دالية الكرمل
تشرين ثان 2012
 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.