spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 107
برنامج "عتيديم" والتعليم الجامعي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
المرأة في عسفيا طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ كمال كيوف

عندما كان مجتمعنا في الماضي تقليديًا أكثر ومحافظًا، لعبت المرأة دور ربة البيت ومربية أطفال فاضلة، تعمل إلى جانب الرجل في الحقل الزراعي والمهن اليدوية والمناسبات الاجتماعية، تابعة للرجل صاحب السلطة في البيت والمجتمع، تختزل وتعيش التراث الشعبي الثقافي والحضاري في وعيها وسلوكها اليومي، وتنقله إلى الأبناء، آدابًا وأخلاقًا وعقيدة وأمثالاَ وحكمًا شعبية ولباسًا ومأكولات وأغان وتهاليل وغير ذلك الكثير، وعلى هذا نشأت أجيال استبطنت الماضي العريق، واستوعبت الحاضر المستجد، واستشرفت المستقبل القادم.
دخلت الفتاة سلك التعليم الابتدائي الرسمي لأول مرّة في عسفيا ودالية الكرمل في السنة الدراسية 46/1945، ومع فرض التعليم الإلزامي بعد قيام الدولة، تزايد عدد الطالبات، وكانت هناك صعوبات لإقناع الأهل بإرسال بناتهم للتعليم في المدارس، لأسباب اجتماعية. وكان أول صف ثامن يتخرج منه طالبات في سنة 1958،  وأول دفعة من خريجات الصف الثاني عشر، في سنة 1973 وعددهن 15 فتاة. وقد تخرجت بعض الفتيات من مدارس خارج القرية قبل ذلك. 
ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم تراكمت أعداد الخريجات من المرحلة الثانوية حتى الجامعية، وفاقت أعدادهن (70%) أعداد الخريجين من الشباب، الذين يضطرون إلى بناء حياتهم العملية بعد تجاوز عقبة الخدمة الإلزامية، وهذا مما يخلق هوة ثقافية كبيرة بين الفتيات والشبان، وما زالت هذه الهوة تتسع بتزايد الخريجات من الجامعات ودار المعلمين العرب وكلية غوردون.
 من جهة أخرى نلاحظ أن غالبية الطلاب والطالبات من الطائفة المسيحية والإسلامية في عسفيا ودالية الكرمل تنتقل إلى جهاز التعليم العربي في مدينة حيفا وتكمل طريقها في المسار الاعتيادي بلا عقبة التجنيد الاجباري لتخرّج أعدادًا مهنية وأكاديمية تفوق نسبتهم السكانية وتدخل سوق العمل الخاص والعام اعتمادًا على كفاءاتها.
بدأ خروج المرأة للعمل خارج البيت في بداية السبعينات من القرن العشرين في عسفيا ودالية الكرمل إلى المصانع التي أقيمت في القريتين مثل جيبور، دلتا، بيغد عور، طيب طوب، بولغات، مصانع الخياطة ومحلات صقل الماس. وصل عدد العاملات في هذه الأماكن آنذاك ما يقارب (2000) عاملة، وقد حسّن ذلك وضع المرأة المادي المستقل ورفع مستوى الحياة، وإذا قارنا فرص العمل المتاحة آنذاك مع اليوم نجد أننا في تراجع اقتصادي إلى الوراء. ومع زيادة نسبة المتعلمات دخلت المرأة العسفاوية في سنوات السبعين حتى التسعين إلى مجالات عمل ووظائف جديدة مثل التعليم والتمريض والسكرتارية والحضانات والعمل الاجتماعي والمراكز التجارية وحتى العمل في مصانع خارج القرية، ومنذ سنوات الثمانين بدأت المرأة تتولى مهامًا إدارية وثقافية وجامعية، فقد وصلت خمس نساء إلى مراكز إدارية في سنوات التسعين، أما اليوم فنجد أكثر من (20) امرأة في مركز إداري - ثقافي وهذا يشمل المرأة العسفاوية الدرزية والمسيحية والإسلامية. كما ظهرت الفنانات والكاتبات والشاعرات اللاتي أثبتن وجودهن على الساحة الثقافية.
إن خروج المرأة إلى العمل والإدارة منحها استقلالاَ ذاتيًا اقتصاديًا وعزز مكانتها الاجتماعية والعائلية في البيت والمجتمع، وقد أضيف عامل هام آخر ساهم في تسريع هذا المسار الاجتماعي ألا وهو انخراط حوالي خُمس الأيدي العاملة الرجالية في عسفيا ودالية الكرمل في سلك الأمن، الذي يتطلب غياب متواصل عن البيت لمدد متواصلة، مما فرض على المرأة ملْء الفراغ الذي تركه الرجل في البيت، بواسطة ممارسة دور أوسع في حياة العائلة والأولاد، فكان عليها أن تتعلم السياقة لإيصال الأولاد إلى المدرسة والعيادة الصحية وشراء الحاجيات البيتية ومعالجة شؤون البيت، وهذا عوًدها على اتخاذ زمام الأمور في غياب الأب عن البيت، وكان لذلك أبعاد سلبية على الحياة الزوجية للرجل والمرأة وازدياد حالات الخلاف والمشاكل الزوجية، وفرض عليها تبني عادات وسلوكيات جديدة.
اجتماعيًا كان للاستقلال الاقتصادي النسبي للمرأة وارتفاع مستوى تعليمها تأثيرٌ هام على حياتها الدينية والاجتماعية كتغيير اللباس التقليدي باللباس العصري وملاحقة الموضات الحديثة وتكريس حريتها في اختيار شريك الحياة، وتغيير التقسيم الوظيفي الذي كان سائدًا في البيت، وتقليل إنجاب الأولاد، وتطوير طموحات اجتماعية تتعدى البيت وهموم الأسرة. ولم تنجُ النخبة النسائية العاملة والمتعلمة من تيار العبرنة الثقافية والأسرلة المدنية التي تكتسح المجتمع الدرزي، التي تمتاز بالازدواجية الشخصية واللغوية والفكرية وضعف الانتماء وضحالة الوعي المذهبي والثقافي والانفتاح غير الحذر وغير المعقلن على العصرنة الغربية، فبدلت هذه الشريحة النسائية دورها المحافظ كوكيلة لنقل التراث الشعبي الديني والثقافي والاجتماعي للأبناء وكقوة حافظة للتوازن أمام انفتاح الرجل على الثقافة العبرية والعصرنة الغربية، وأصبحت قوة دافعة للرجل في تسريع عملية الانفتاح والتغرب التي تحوي في طياتها بذور الانصهار والذوبان الحضاري، وهنا نجد أن غالبية النساء في مجتمعنا المتمدنة والمتدينة، المتعلمة والعاملة أكثر محافظة من الرجل العلماني على العادات والتقاليد والتراث الثقافي والحضاري واللغوي والشعبي، يتحاشين اللغة المختلطة ويقرأن الكتب والجرائد العربية ويسمعن الموسيقى والحلقات التلفزيونية العربية ويصنعن المأكولات الشرقية التقليدية، فما زالت المرأة عامةَ تنتج شخصية تكرارية نسبياَ بسبب النسيج الاجتماعي والعادات والتقاليد التي تفرض عليها الامتثال للمجتمع الابوي وتبقيها محافظة عصرية، وخاصة المرأة المتدينة المحتشمة في لباسها من خلال قناعة دينية وحضارية أن اللباس العصري الخادش للحياء غير شرعي ونوع من الغزو الحضاري، الواعية دينيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، المطّلعة على الأسفار المذهبية وآدابها ما زالت تشكل عامل توازن وعنصرًا رادعًا مقابل انفتاح غالبية الرجال وتمشيهم مع المؤثرات الخارجية.
 إجمالاَ نقول إن انتقال مجتمعنا   من مجتمع زراعي منتج يعتمد على الأرض كمورد اقتصادي إلى مجتمع أجير ومستهلك لا يملك الموارد الاقتصادية الإستراتيجية أحدث تغييرًا في المبنى الاجتماعي فظهرت شريحة المتعلمين والعسكريين وأصحاب المهن الحرة بالإضافة إلى رجال الدين والنساء وكل المجتمع يمر في مرحلة انتقال من مجتمع تقليدي الى مجتمع يميل للحداثة أو ما بعد تقليدي وتغيير في شكل الأدوار بين الرجل والمرأة، فكان البيت والحقل ساحة المرأة فأصبح المجتمع كله ساحتها، تقوم بعدة أدوار اجتماعية مصحوبة بصراع مراكز ويجب أن لا يغيب عن ذهننا أن مكانة المرأة اليوم، ما هي الا حصيلة التطورات التي طرأت على الأسرة وتغير النظم والمبنى الاجتماعي الذي تكيفت معه وتأثرت به كالقوانين الاسرائيلية، لذلك ما زالت المرأة تتارجح بين التقليدية والحداثة، لأن مواقف المجتمع مضطربة ومرتبكة في بحثه عن هوية اجتماعية جديدة تحدد مكانة المرأة العصرية. 
 
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.