spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 116
مدينة صفد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلنة العدد: صفاء خاطر المشايخ وتكدره طباعة ارسال لصديق
ورد في كتاب المرحوم الشيخ عبد الله طريف عن المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف "رحيل العلم المفرد" الحديث التالي عن فضيلة المرحوم الشيخ أبو يوسف، عن فئة من رجال الدين  قائلا :" لقد أخبرني شاب جاهل قائلا : "قال لي فلان، الذي يُعتبر ولسوء الحظ من رجال الدين، ما يلي: إذا أردت أن تفعل ما تشاء فما عليك إلا التديُّن، عندها تعمل كل ما تريد ولا يشك في أمرك أحد "لأنك متدين" فقلتُ لذلك الشاب: وما رأيك في ذلك؟ فأجابني الشاب لقد خجلت عندما سمعت رجلا متدينا ينصحني بذلك، ووقع ذلك على مسمعي وقع الصاعقة. نظرتُ لذلك الرجل نظرة احتقار وقلت في نفسي: إن أولئك الذين دسّوا أنفسهم في الدعوة الدرزية حبا في الراحة والإباحة لا زالوا على طريقهم وبيننا هذا اليوم" ويضيف فضيلة المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين قائلا : الدين هو الوسيلة التي تربط الإنسان بخالقه وإخوانه، وكلما حافظنا على تلك الوسيلة ونهجنا على نهجها، كلما زاد إنعام الباري علينا، وقرّبنا من جنته الموعودة. وأسوأ ما يعمل الإنسان أن يتلبّس بلباس ديني بهدف الوصول إلى غايات في نفسه وذلك أشد كفرا يقوم به الإنسان لأنه، يعمل تماما كما عمل من قبله الأبالسة والشياطين، ولا ينوبه من ذلك إلا المصير الوخيم – ص 22 "
نحن نعتز ونفتخر، حين نلاحظ أنه في الآونة الأخيرة، يوجد تهافت من قِبل أوساط الشباب والشابات وكذلك الكبار، على الوصول إلى المنابع والأصول والمراجع التوحيدية، يحدوهم الأمل والتفكير، أنهم بذلك يخدمون أنفسهم ومجتمعهم وطائفتهم، ويعملون على نشر الفضيلة والتقوى والثقافة الدينية في أوساط أكبر. ولا شك لدينا، أن الأغلبية الساحقة من أولئك الذين يقبلون على الدين، يقومون بذلك بنية صادقة، وصفاء ذهن، وتفكير سليم، ومقاصد شريفة، ناذرين على أنفسهم أن يتقيّدوا بأهداب الدين، وأن يعملوا ما هو مطلوب منهم، وأن يتصرفوا كما يتطلب منهم المنطق الديني، والعُرف التوحيدي، والسلوك المعروفي، محترمين بذلك العمامة التي يضعونها على هاماتهم، واللباس الديني المبجّل، شاعرين، بلا شك، أن نظرة المجتمع إليهم تتوقع منهم أن تكون أعمالهم وتصرفاتهم في نطاق تدينهم وممارساتهم للشعائر الدينية، وأن لا يقوموا بعمل فيه تناقض أو فيه أي انحراف عما هو متبع ومقبول ومطلوب في المجتمع الديني الدرزي الفاضل، الذي اكتسب الشُهرة والصيت الحميد، بتقواه على مدى ألف سنة. وكل منا يرى بأم عينيه نماذج مشرّفة لسلوك ديني قويم عند الكثيرين الكثيرين من أهل التوحيد، ومن الذين أخذوا على عاتقهم الالتزام والتقيد بالأصول التوحيدية. ومن المعروف عن مذهب التوحيد أنه لا يُفرض بالقوة، ولا يُجبر أحد على قبوله، ولا يرغم أي من الناس على الوصول إلى هذا المسلك القويم. وكلنا يعلم أن طالب المعرفة والدين، وكذلك أخوات الدين، عليهم أن يتوجهوا عشرات المرات إلى المشايخ الأفاضل في خلواتهم، طالبين صفاء خواطرهم، وقبولهم للمجموعة الدينية القائمة. وليس هذا بالأمر الهين على رجال الدين، فقد وُضعت حكمة في هذا العمل، حيث يتمكن رجال الدين من التأكد أن ذلك المريد، إذا كرّر طلبه عدة مرات، وأثبت حسن نيته وصدقه في الطلب، فهو حقا مريد طالب القرب من الدين والاندماج فيه، وأن عمله هذا ليس نابعا من مصلحة، أو من عقدة، أو من مشكلة، أو من أمر، إلا حب الدين والرغبة في التوجه إليه. لهذا يقومون بتسليمه ما يستحق، بعد أن تثبت لديهم نواياه الصادقة. معنى هذا أن المريد هو الذي يكرر طلبه، وهو الذي يسعى، وهو الذي يصمم على هذا العمل حتى يصل إليه. وإذا طلبه وتسلمه،  فهو قادر وأهل وجدير بهذا الشرف العظيم، أن يكون جزءا من أهل التوحيد المتنورين. وكما قلنا، نحن واثقون أن الأغلبية والمجموعة الكبرى ممن دخلوا في هذا المسلك من الجنسين هم أهل لذلك. 
لكن ما يؤسفنا، هو أننا أحيانا، وخاصة في الآونة الأخيرة، نرى تصرفات غير لائقة عند بعض الأشخاص الذين يتزيوا بالدين، ويرتدون اللباس الديني، وهم مُعتَبرون من رجال الدين، لكن عملا واحدا أو أكثر من أعمالهم، تشير إلى عكس ذلك، ولا تليق بهم. وكان من الأفضل أن لا يقوموا بهذه الأعمال، وإن قاموا بها، أن لا يكونوا من رجال الدين. وهنا لا نتحدث عن جرائم وخطايا كبرى تحدث بيننا، لأنها والحمد لله قليلة، وهي تحدث ولكنها نادرة، إنما نتحدث عن أمور في حياتنا اليومية، لا تُعتبر من الكبائر، لكنها تعطي انطباعا سيئا عن أولئك المتدينين، وبصورة غير مباشرة تشوه سمعة المتدينين بشكل عام. فكثيرون منا يلاحظون شبابا يلبسون الزي الديني، يقودون سياراتهم بسرعة وتهور، أو يبالغون في تصرفات غير مناسبة. وهناك بعض أصحاب المصالح، تصدر عنهم أعمال فيها جشع وطمع وغش، وهناك من يلبس الزي الديني وتصدر عنه تصرفات تسيء لرجال الدين، وهناك أمور كثيرة صغيرة أخرى، لو صدرت عن إنسان عادي، ربما لا تلفت النظر، أو تجعل الناس تقول، هذا جاهل، أو هذا منحرف، أو هذا شاذ، لكن نظرتنا تجمد، وخيبة أملنا تكبر، ومفاجأتنا تزداد، عندما نشاهد أن ذلك الذي يفعل هذه المخالفة، يرتدي الزي الديني. فالزي الديني يفرض احترامه على لابسه، وعندما يخرج الإنسان بهذا الزي، فهو لا يمثل نفسه فحسب، وإنما هو يمثل كل رجال الدين وكل الدين، خاصة ونحن نعلم أن رجال الدين عندنا، لا يتجاوزون العشرة بالمائة من الرجال، وأن الأغلبية الكبرى ما زالت خارج هذا الإطار، وهي تنظر بتدقيق وإمعان ومراقبة وتشدد، لكل عمل يصدر عن رجال الدين.
مرة أخرى نكرر ونقول، إن مجتمع رجال الدين، ما زال والحمد لله، مجتمعا رفيعا ساميا خلوقا عاليا فاضلا، ينفذ ويطبق الأصول التوحيدية بحذافيرها، وفيه كثير من ضبط النفس والردع الذاتي، والتقيد بالتوجيهات والتعليمات، وفيه نموذج وقدوة للمجتمع غير الديني، وللشعوب غير الدرزية، حيث أن الفضائل التوحيدية السامية، انتشرت واشتهرت بين الشعوب. ونجد المئات من غير الدروز، يمتدحون الطائفة الدرزية على أصالتها وفضائلها عاداتها وتقاليدها. لكن وللأسف الشديد، تسرّبت لأوساط رجال الدين، بعض العناصر، لأسباب وأهداف وغايات غير دينية، وهي تقوم بأعمال غير مناسبة، وتشوه نظرة الآخرين إلى رجال الدين.
 ونحن نتوجه، بهذه المناسبة، إلى أولئك الجالسين خلف الجدار، أي غير المتدينين، أن ينتبهوا للتراص الموجود عند المتدينين، للمساعدة المتبادلة، للأخوة، للإخلاص في البيت، للتقوى، للتربية الصالحة، للنزاهة، للاستقامة، للصدق في المعاملة، للتفاني في الخدمة، للتسامح، للكرم، للتعالي عن السيئات والموبقات، للمواظبة في السلوك الديني والنقاء التوحيدي الموجود في أجوائنا عند الأغلبية الساحقة من رجال الدين، ونطلب منهم ألاّ ينظروا إلى بعض الشذوذ أو الانحراف أو المسلك غير السوي الذي يصدر عن هذا أو ذاك، ممن لبس الزي الديني، فهو بالحصر يمثل نفسه فقط،  ولا يمثل رجال الدين، لأن الدين أكبر وأوسع وأعمق وأشمل وأعمّ وأفخم وأسمى، من أن يلوثه فرد أو أفراد في لحظة معينة، إما عن قصد، أو سهوا، أو بدون أن يكونوا منتبهين إلى أعمالهم هذه.
 ويكفي أن يزور أي شخص غير متدين، أي خلوة، أو أي مجتمع ديني، ليرى المساواة والبساطة والتواضع والتسامح، والجو النقي الصافي الروحاني، الذي تضفيه الجلسات التوحيدية على الأفراد، ليلمس عمق دين التوحيد وتأثيره ودعوته إلى الناس بشكل عام، أن يكونوا مواطنين صالحين، إذا نفذوا تعاليم وتوجيهات مبدأ التوحيد بحذافيرها. 

والله ولي التوفيق

سميح ناطور

دالية الكرمل

أيلول 2012


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.