spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 139
كلمة العدد: الطائفة التي تصنع الفحم في الليل لتنير الظلمات
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
المرحوم الدكتور سامي مكارم طباعة ارسال لصديق
1931-2012
فقدت الطائفة الدرزية مؤخرا، أحد أكبر رموزها الثقافية في الوقت الحاضر. وفقد العالم العربي والإسلامي مؤرخا ذا نزعة فلسفية ونظرة عمق وأصالة وإبداع. وفقد جمهور الفن الراقي، خطاطا ورساما قلّ نظيره من حيث توجهاته وميوله وتعابيره الناطقة. وفقد المجتمع، ركنا راسخا من أركانه. وفقد عالم الأكاديميا باحثا منقبا عميق الجذور، يعرف ما يريد ويعبر عمّا يستخرجه بأصالة وصراحة وإتقان.
 كان المرحوم سامي مكارم من جهابذة الأدب والفن والتاريخ، وكان يجمع في شخصيته جوانب متعددة من حرارة باحث الشرق، مع إتقان معلم الغرب، مع توسع ثقافة كبار العلماء، مع لطافة الإنسان المهذب الخلوق، ومع بساطة القوي ابن الجبل. كان المرحوم سامي مكارم، جامعة بأسرها، ومؤسسة بحد ذاتها، وموسوعة من المعرفة والعلم والأفكار. ولم يبخل أبدا بعلومه، فقد كان قلمه فيّاضا، وكانت أفكاره متنورة، وكانت أحاديثه ممتعة، وكان القلم طوع بنانه، يسطّر فيه أحلى آيات الكتابة والتعبير. كان د. سامي مكارم لبنانيا بشموخه، وتوحيديا بجذوره، وعربيا بتطلعاته، وغربيا بمنهجه وأسلوب تفكيره. وكان مع القروي قرويا، ومع الباحث ندًّا، ومع الكتابة مسيطرا، ومع الحديث متقنا وممتعا. وقد نشأ وترعرع في كنف الطائفة الدرزية، في فترة من أصعب فتراتها، فترة الانتقال من ماض دام ألف سنة، إلى حاضر يتغير بسرعة البرق ويتقلب بسرعة الضوء، واستطاع أن يستوعب هذا وذاك، وأن يدمج بينهما ويعيش مع كليهما.
وُلد ونشأ المرحوم د. سامي مكارم ابنا للشيخ نسيب مكارم(1889 – 1971) الذي كان فنانا بارعا في الخط في بلدة عيتات في الجبل. وكان والده قد تعلم قليلا في مدرسة القرية، ثم انتقل إلى مدرسة سوق الغربي عام 1903 للدراسة فيها، فبقي هناك أربعة سنوات، واضطر لترك المدرسة، إذ توفي والده، الذي كان نجارا، فامتهن هو أيضا النجارة وتخصص فيها وأتقنها. وكانت والدته، السيد عذباء، كريمة السيد حسين سلمان يونس، قد تخرّجت من مدرسة شملان الانجليزية. وكانت طالبة متفوقة وذات مواهب متعددة، وامتازت بخطها الجميل، وإبداعها في صناعة الخط، فأخذ عنها ابنها نسيب تذوق الجمال والروعة وإتقان كتابة الخط. ولم يستطع أن يدرس هذا الفن عند أحد، إلا أنه تولع به، واعتمد على ذوقه وحدسه وتفكيره، فأتقنه وعُرف بين الناس كخطاط بارع، ففتح له مكتبا في بيروت، وزوّد الصحف والمجلات بالخطوط، كما كان مطلوبا كخبير لدى المحاكم القضائية، في قضايا تزوير الخطوط والإمضاءات. وقد حُلت بواسطته قضايا كثيرة في هذا المضمار، وأعيد الحق إلى أصحابه.  وقد دعي لتعليم الخط في عدة مؤسسات منها، الكلية العامة في بيروت، والجامعة الأمريكية، وكلية الشريعة الإسلامية، ومدرسة الثلاثة أقمار، والكلية اللبنانية في سوق الغرب، ومدرسة سوق الغرب، والجامعة الوطنية في عاليه. وكان الشيخ نسيب عضوا في المجلس العلمي الدولي، وعضوا في أكاديمية فكتور هوغو، وعضوا في الأكاديمية اللاتينية، وعضوا في اللجنة الوطنية الفرنسية، وعضوا في الجمعية الوطنية للميدالية العسكرية. وقد عُين خطاطا فخريا للجمهورية اللبنانية، وللملك عبد الله، والملك غازي الأول، والملك فيصل الأول، وأمير دولة الكويت. وقد مُنح عددا كبيرا من الأوسمة العربية والدولية. كما حصل على أوسمة متعددة من الدولة اللبنانية. وكان أثناء كل حياته هذه، منصرفا إلى ممارسة فروضه الدينية، متمسكا بآداب التوحيد، حيث تميز منذ شبابه بالطيبة والأمانة والإخلاص. وقد أصيب عام 1966 بمرض في القلب فلزم بيته منصرفا إلى العبادة حتى وفاته.
وفي هذا البيت الزاخر بالديانة والأدب والفن والخط الجميل والذوق السليم، نشأ وترعرع الفتى سامي مكارم، يعشق الفن ويطرب لسماع الكلمة الجميلة، ويستمتع بالمنظر البديع، ويزهو بجذوره التوحيدية العميقة، التي أثبتت له أن التوحيد لا يمنع التألق والنجاح والتميز، إذا كان الإنسان حقيقيا ومخلصا في توجهه، نشا محبا للعلم والدراسة والتحصيل والتلقي فأرسله والده لتلقي علومه الابتدائية والمتوسطة في معهد اللاييك في بيروت والعلوم الثانوية في الكلية اللبنانية في سوق الغرب ثم انتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت للحصول على تعليم الجامعي فحصل على شهادة بكالوريوس في الأدب العربي والفلسفة عام 1954 واستمر في دراسته الجامعة لشهادة الماجستير في الأدب العربي فحصل عليها عام 1957 وانتقل إلى الولايات المتحدة والتحق بجامعة متشيغن وأحرز منها شهادة دكتوراه في الفلسفة والفكر الإسلامي ودراسات الشرق الأوسط وذلك عام 1963 وحينما كان في هذه الجامعة درّس فيها اللغة العربية خلال ثلاث سنوات. وعاد إلى موطنه فعُين أستاذا للثقافة العربية في الجامعة اللبنانية بين السنين 1963 – 1964 وعُين بعد ذلك أستاذا مساعدا في الأدب العربي والفكر الإسلامي في الجامعة الأمريكية في بيروت بين السنين 1964 – 1971 ثم أستاذا ملازما في الأدب العربي والفكر الإسلامي (1971 – 1985) ثم أستاذا للأدب العربي والتصوف 1985. وكان قد عُين أستاذا غير متفرغ للأدب العربي والفكر الإسلامي في برامج الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية (1977 – 1981) وفي الوقت نفسه كان رئيس دائرة اللغة العربية والشرق الأدنى في الجامعة الأمريكية (1975 – 1978)وكذلك مدير مدرسة دراسات الشرق الأوسط في الجامعة نفسها (1975 – 1978) ثم عُين رئيسا لدائرة اللغة العربية ولغات الشرق الأدنى 1993 – 1996) وظل يتقلب حتى آخر حياته في المراكز العلمية العالية في الجامعة الأمريكية. وكانت إلى جانب ذلك له محاضرات ولقاءات وأحاديث تلفزيونية وإذاعية يتناول فيها مواضيع اختصاصه وكثيرا ما يتناول الشؤون التوحيدية. كما كان نشيطا في أوساط الطائفة الدرزية مهتما بشؤونها الثقافية مشاركا في عدة مؤسسات ومجالس وأطر قريبا من المرحوم الشيخ محمد أبو شقرا ومن الزعيم الكبير كمال جنبلاط ونجله وليد فيما بعد. وكانت مواقفه التوحيدية صريحة واضحة فيها عمق وثقافة وشموخ.
وكان إلى جانب نشاطه الجامعي رجل فن مبدع في الخط العربي فوجد في الحرف العربي مجالا واسعا للفن التشكيلي فأخذ يؤوّد خطوطه وحناياه لكي يظهر ما تنطوي عليه من جمال وإبداع وله في ذلك إنجازات رائعة أقام لها عدد من المعارض الناجحة في لبنان وفي الخارج واشترك في المعارض الفنية في لبنان وخارجها أيضا وأصدر في هذا المجال كتبا مميزة. وكان إلى جانب نشاطه في المجالين الأكاديمي والفني ذا نشاط أدبي مميز فكان يغشى المجتمعات الأدبية واللقاءات ويكتب في كتب الأدب ملاحظات وتعليقات وكثيرا ما يكتب لها المقدمات وهو يحيط بالشعر كما يحيط بالنثر. وقد تخصص في البحوث التاريخية للطائفة التوحيدية فأصدر عددا من الكتب في التاريخ والعقيدة بالعربية والانجليزية ونشر عددا كبيرا من المقالات في هذا الموضوع أصبحت مرجعا هاما في تاريخ الدروز. وهو مواطن شرف لمدينة هيوستون في الولايات المتحدة الأمريكية وحائز على وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب وشغل مدة طويلة منصب الأمين العام في المجلس الدرزي للبحوث والإنماء. رحمه الله.  
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.