spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 138
نبي الله الخضر (ع) يمثّل وحدة الأديان السماوية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
العنف طباعة ارسال لصديق
تشهد الطائفة الدرزية في الآونة الأخيرة في أماكن مختلفة من قرانا في الجليل والكرمل، مشاهد غير مألوفة من العنف ومن تصرفات غير لائقة، ومن الحركات التي تصدر عن بعض أفراد المجتمع الدرزي، وفيها الكثير من العنف وعدم اللياقة والاستهتار بالقيم والعادات والتقاليد، وبكل النظم التي تعوّدنا عليها وسرنا بموجبها خلال مئات السنين. وفي حين كانت كل قرية درزية تشعر بالثقة والأمان والاطمئنان من مصادرها الداخلية، وكانت تستعد بكل كليتها لدرء الخطر من الخارج، ولمواجهة المشاكل التي كانت تنقضّ عليها من السلطة أو من جيران أو من فاتح أو غازٍ، وكان هذا المجتمع يستمد قوته لمواجهة الخطر الخارجي من صموده الداخلي، ومن ثقته أن جميع أبناء القرية، وجميع أبناء الطائفة، يقفون يدا واحدة، ويكرّسون كل جهودهم وكل قدراتهم وإمكانياتهم من أجل التصدي لهذا الخطر الخارجي، حيث كان من المفروغ منه، والواضح تماما أن كل إنسان مطمئن لما يوجد، وما قد يحدث خلف ظهره حينما يذهب للمواجهة والقتال. وهكذا تغلب الدروز في كل حروبهم وفي كل مواجهاتهم، واستطاعوا البقاء والاستمرار والمحافظة على كرامتهم وكيانهم.
 ولا ننكر أنه حتى في المجتمع الدرزي القوي المتراصّ، وقعت أحيانا أحداث داخلية مأساوية، وواجه المجتمع في بعض الحالات أعمالا فردية انحرفت عن الخط المناسب، وعلى الطريق الصحيح، لكن هذا المجتمع كان لدرجة قويا ومؤمنا بنفسه وبكيانه وبمبادئه، أنه استطاع أن يستوعب هذه الأحداث وأن يتغلب عليها وأن يجعلها تمر مر الكرام، وأن يستمر في طريقه الذي انتهجه طوال الوقت. وكان ذلك بفضل وجود رجال حكماء، وأشخاص مؤمنين، وزعماء مخلصين، وقادة متنورين بالدين والإيمان، وشخصيات محنكة مجربة، وضعت نصب عينيها فقط مصلحة المجتمع الدرزي وسلامته وتجنّبه لكل خطر. وكانت باقي عناصر المجتمع من شباب وفتيات ورجال ونساء، تقرّ بمسؤولية هؤلاء الكبار، وتعتمد على آرائهم وتسير بموجب توجيهاتهم، وتتقبل منهم كل أمر وكل إشارة وذلك بدافع الاحترام والتقدير والاستعداد للتضحية في كل شيء.
وقد مرّ المجتمع الدرزي بتغييرات وتحولات كثيرة، وحصل تقدم كبير من ناحية مستوى المعيشة، ومن ناحية فرص العمل، وبدأ بعض الأفراد بالخروج والسكن أحيانا خارج القرية، كما أخذ المجتمع الداخلي يتعرض لتأثيرات خارجية من ناحية اتصال مع عناصر أخرى أو وصول صحف وكتب أو وسائل إعلام مسموعة ومرئية. وقد مرّت فترة الانتقال هذه التي استمرت عشرات السنين، بشكل عام بسلام وظل الجيل الجديد والأجيال التي تلته تقدّر وتحترم الكبار والمسئولين والقيّمين في كل قرية وفي كل مجتمع في الطائفة الدرزية. كل ذلك بالرغم من التقدم الكبير الذي حصل عند أبناء الطائفة الدرزية، الذين وإن خرجوا وتعلموا أو اشتغلوا لمدد طويلة خارج القرية، إلا أنهم عادوا إليها وسكنوا فيها وتكيّفوا بأجوائها.  
وما زالت موجة التقدم والانفتاح سائرة في ربوعنا بشكل مكثف، وتحوّل المجتمع الدرزي من مجتمع قروي زراعي مغلق، إلى آخر منفتح ومتأثر بكافة العوامل الخارجية. وقد استطعنا كأفراد أن نتقبل كل التقنيات الجديدة، وأن نستعملها وأن نعيش بموجبها مثل السيارات والتلفزيون والانترنت ومسالك الحياة الأخرى. لكننا لم نستطع كمجموعة أن نبني جدارا واقيا يحمينا من أخطار كل هذه الظواهر وهي ككل شيء لها حسنات وسيئات، فأخذنا نستغل حسناتها وأغرينا أحيانا وسوّل البعض منا لنفسه أن يستعمل كذلك سيئاتها. ولا بد أن المسئولين والقيّمين في وزارة المعارف، وفي المجالس المحلية، وفي المؤسسات الاجتماعية، وفي الدوائر الثقافية وكذلك عند رجال الدين وعند كبار العائلات، حاولوا التخفيف من حدّة الظواهر السلبية المؤثرة علينا، لكنهم لم ينجحوا دائما وحصل فرق شاسع بين انجرافنا وتقبّل كل ما هو غريب وجديد، وبين استعدادنا لأن نحصل منه على المفيد والمطلوب والمجدي فقط، وأن نترك الجوانب السلبية. ويمكن القول أنه بشكل عام يحصل انضباط وتقيّد عند الأغلبية الساحقة من أبناء الطائفة الدرزية في كافة الأمور، لكن هناك أفراد قلائل فقدوا كل سيطرة وكل ذوق أدبي وكل احترام وتصرّفوا بأسوأ الحالات وبطرق منافية للأخلاق ووصلوا أحيانا إلى قتل وإلى عمل أشياء لا يقبلها المجتمع ولا يرضاها الدين ولا يسلّم بها أحد. ويكفي أن تكون قرية فيها أكثر من عشرة آلاف نسمة هادئة مطمئنة، أن يلوّث جوّها شخص واحد أو أكثر، بحدث مروّع أو بعمل غير لائق. ومن طبيعة وسائل الإعلام أن تروّج للسلبي وللغريب وللمثير، وهذه الأمور دائما هي سلبية وأن لا تروّج للأعمال الحسنة والمفيدة، لأنه ليس فيها اهتمام عند الجمهور حسب منطقها، وقد تكون أحيانا لهذا الترويج فائدة كبيرة، حيث يمكن أن نشر الحدث بشكل مروّع قد يسبب هزة وخوفا وردعا عند آخرين لهم ميول لعمل حدث كهذا. فعلى كل أمر أن يكون حسب منطق وبالكمية المعقولة وبالشكل المناسب، لكي نستطيع أن نجني منه الفائدة المرجوة. فنحن اليوم منكشفون على أحداث تقع عندنا وتقع في بلادنا وتقع في كل مكان آخر في العالم، وخلال دقائق يمكن أن يصل الإنسان لمعرفة ما يحدث في أبعد الأماكن، ومن هنا علينا أن نستغل وقوع كارثة أو عمل صعب لدينا أو في أي مكان آخر في العالم، كي نبث الوعي والمعرفة والفهم والإدراك لدى من حولنا. عملية التوجيه والتدريب والإرشاد تبدأ من البيت والأسرة، ومنها إلى العائلة الموسعة وإلى القرية أو المدينة وإلى الدولة وما يعادلها. وعلى كل إنسان يحمل مسئولية وله دور في أي موضوع كان، أن يقوم بعملية البث والإرشاد وأن  يستغل نفوذه وسلطته لفرض القانون والنظام والسلوك الحسن، لعلنا نستطيع أن نقلل من تأثير العوامل والأخطار الأجنبية على شبابنا وأجيالنا الصاعدة. فمن المؤكد أننا ربما لن نقدر على القضاء كليا على الظاهر السلبية، لكنه يمكننا أن نقلل منها أكثر ما يمكن، وأن نعيدها إلى حجمها الطبيعي الصغير، وأن ننطلق منها إلى تعلم درس وعبرة، والأخذ بعين الاعتبار أن الإنسان ليس وحده في هذا الكون، وإنما هو شريك مع الملايين على كل شيء، وعليه أن يفعل ليس ما هو يطمح ويريد، وإنما ما هو مسموح ومقبول ومألوف في كل مجتمع، لكي يظل يعيش بسلام وطمأنينة مع الجميع.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لرجال الدين عندنا دورا كبيرا  في محاربة ظواهر العنف وحالات التسيّب وكل الأمور الشاذة النابعة من التأثيرات الخارجية ومن العوامل النفسية الداخلية، وذلك عن طريق السعي إلى التقارب بين جميع فئات المجتمع، وإلى نشر وبث تعاليم التوحيد في كل مكان في الطائفة، وإلى عقد ندوات ومحاضرات مفتوحة أمام الجميع من الشباب والشابات. فلا بد أنه توجد بينهم نفوس حائرة تبحث عن طريق وتتمنى أن يكون هناك من يقودها ويرشدها إلى سواء السبيل. 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.