spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 122
مدينة هجر
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: ما بين العمامة المكولسة وجائزة نوبل.. طباعة ارسال لصديق
أعلن أحد الملوك عن وضع جائزة كبيرة من الذهب، يقدمها لمن يقوم بعمل عظيم من أفراد الرعية، فحضر أمامه المبدعون والموهوبون ومن اعتقد أنه يستحق الجائزة. وفي أحد الأيام وقف في ديوانه شاعر ورسام وعالم، وتقدم الشاعر، فأنشد أمام الملك قصائد من روائع شعره، ثم جاء الرسام، وعرض أمامه لوحاته الفنية ورسوماته الجميلة وخطه البديع، وجاء العالم، وشرح للملك بعض تجاربه واختباراته، وأوضح له الاكتشافات والاختراعات التي توصل إليها. وفي النهاية ظهرت امرأة كلل الشيب رأسها فسـألها الملك: ما لديك وما عندك ما تقدميه؟
فأجابت باعتزاز وفخر: أيها الملك، إن الذين مثلوا أمامك هم أولادي، وقد جئت لأرى من منهم ينال الجائزة ويحظى بتاج الذهب. فهتف الملك على الفور: ضعوا التاج على رأس هذه السيدة، صانعة هؤلاء العظماء..
نعم، سيدة كهذه تستحق كل التقدير والاحترام والتبجيل، لمساهمتها في بناء مجتمع فاضل، يرتكز على العلم والمعرفة. ومنذ القدم كانت الأم هي العنصر الأول في بناء الأسرة، وفي تقدم البيت، ونشوء الأولاد في الطريق الصحيح. وقد كانت الأم المسئول الأول الذي اعتنى بتربية الأولاد، وظلت تقوم بواجبها لوحدها، خلال آلاف السنين. ومع الوقت، انضمت إلى الأم مؤسسات ومعاهد ودور حضانة وعناصر أخرى، أصبح لها تأثير على صقل شخصية الأولاد ودعمهم ودفعهم إلى التألق. وأهم مؤسسة تؤثر على حياة الولد بعد الأم، هي المدرسة، إذ ينتقل الطالب من بيته الدافئ إلى حجرة الدراسة، ويلتقي بوجوه جديدة، ويتقبل التعليمات والتوجيهات من أساتذة ومعلمين ومعلمات، يرى فيهم استمرارية لوالديه. وتتفاوت نسبة النجاح في التأثير على تربية الطالب في مدى رقي المدرسة وجديتها، وما تضعه من قدرات وإمكانيات في تربية وتثقيف طلابها. ومع الوقت أخذت المدرسة تكتسب هالة من التبجيل والاحترام، لكونها تخلق وتنتج المبدعين والأبناء والبنات الناجحين. ومؤسسة المدرسة تضم المدرسة الابتدائية والإعدادية والثانوية، ولكل واحدة منها دور في بناء شخصية الطالب وعلمه.
ونحن في مجتمعنا، بدأنا نلمس انطلاقة نحو التعليم، وتوجها جديدا لكسب المعرفة، ومحاولات جدية للتميز داخل المدرسة، والانطلاق لمؤسسات أعلى. ويسعدنا أن نعلم أن هناك تنافسا وسباقا بين أجهزة المعلمين والإدارات في المدارس الثانوية الدرزية، من أجل رفع مستوى الطلاب وتشجيع أكبر عدد منهم للحصول على شهادة بجروت، والحصول على علامات عالية في اختبارات البسيخومتري، وتأهيل الأغلبية لإكمال الدراسة الجامعية. ولا شك أن في هذا التنافس خير وبركة للمجتمع الذي نعيش فيه، حيث بدأنا نقلص العجز الذي كنا نعاني منه، بالنسبة للدراسة الجامعية، وبدأ يدخل إلى وعينا أن الحياة لا تقاس بالنجاح المادي، والمكسب المالي، والرفاهية الاجتماعية، وإنما تقاس بالتحصيل العلمي، وبالفوز بإنجازات ثقافية حضارية   ترفع من مستوانا وتزيد من مداركنا.  ولا شك أنه توجد في ربوعنا مدارس ثانوية ومؤسسات ثقافية ومعاهد علمية تبذل الجهود الجبارة لتوصل طلابها إلى أرقى المستويات. فنحن نصبو للوصول من ناحية علمية إلى إنجازات كبيرة وإلى تحقيق مكاسب مناسبة، وبلوغ درجات ومراحل متميّزة. ولا تنقصنا المواهب والقدرات والإمكانيات لتحقيق الكثير. وقد برهنت الطائفة الدرزية أنها عندما تقصد تستطيع أن تخرّج من صفوفها مواهب فذة وشخصيات متألقة ونجاحات هائلة. فقبل أسابيع، وقفنا جميعا باكين على رحيل سيدنا وقائدنا الروحي، فضيلة المرحوم الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين، الذي كان علما رفيع المستوى في سماء الطائفة الدرزية، خلال ما يقارب القرن من الزمن. وكانت شخصيته وأعماله تغرس البركة والتقوى في النفوس، وتبعث الأمل والتفاؤل عند كل أبناء التوحيد، بسبب مواقفه وتوجيهاته. وكان فضيلته من جيل أنبت عددا من الشخصيات الدينية رفيعة المستوى، كانت وما زالت لنا حماية وبركة ومصدر فخر واعتزاز. وكان وما زال التتوّج بالعمامة المكولسة، رمز التفوق الديني. وقد حظي بتعممها عدد من الصفوة المختارة من الشيوخ الدروز، حيث تضم العمامة المكولسة، الطبقة الرائدة بين شيوخ الطائفة الدرزية الأتقياء الكرام، الذين برعوا وبرزوا وتميزوا واستحقوا هذه المنزلة الرفيعة بجدارة واستحقاق. وعندما فارقنا المرحوم الشيخ أبو محمد جواد، تأسفنا لرحيله مثلما تأسفنا عند رحيل المرحوم الشيخ أبي حسن عارف حلاوى، والمرحوم الشيخ أبي يوسف أمين طريف، والمرحوم الشيخ أبي حسين محمود فرج وغيرهم، وعزينا أنفسنا، أن الطائفة الدرزية العريقة، كفيلة أن تخرج من صفوفها شخصيات دينية من نفس المستوى. وقد ثبت لدينا أن الطائفة الدرزية لم تخيب آمالنا في هذا المجال، فمنذ ألف سنة حتى اليوم، ننعم بوجود مشايخ أتقياء في قمة عطائهم الروحاني، وكل ما نرجوه ونتمناه ونبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى أن يمنحنا إياه، هو أن تنبثق من هذه الطائفة شخصيات في المجالات الأخرى، تصل إلى المستوى الذي وصل إليه المتوجون بالعمامة المكولسة، وأن نتوجهم بما يوازي العمامة المكولسة، كي تتمكن الطائفة الدرزية العريقة، من التقدم علميا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا وفنيا وفكريا وأدبيا وفي كل المجالات الأخرى، فلا تنقصها المواهب، ولا الإمكانيات، ولا الرغبة، ولا القدرات، وكل ما نحتاجه هو أن نؤمن بأنفسنا، وأن ندعم واحدنا الآخر، وأن نغير سلم الأفضليات لدينا، وان ندعم البارزين والناجحين بيننا.  وقد برهن فضيلة المرحوم الشيخ أبو محمد جواد، أن التألق لا يحتاج إلى مال، ولا إلى عائلة، ولا إلى قوة، وإنما يحتاج إلى موهبة ورغبة وتصميم ومثابرة وثقة بالنفس ودعم من المحيط القريب، وتعاون من أصحاب الوظائف والمناصب والمسئولين. لقد حصل زعماء ومشايخ وقادة دروز على ألقاب، مثل شيخ الجزيرة، أسد الشوف، عامود السماء، أبو الثورات، أمير البيان وغيرها. ونأمل أن نحظى في يوم من الأيام، أن يحصل واحد منا على جائزة نوبل وما يشابهها في المجالات العلمية، وهذا ليس بحلم بعيد، فبإمكاننا تحقيق ذلك. فالمطلع على تاريخ الطائفة الدرزية المجيد، يعلم أننا حققنا أكثر من ذلك، ولدينا انجازات خارقة، وإذا قررنا شيئا، فبعونه تعالى، يمكننا أن ننفذه ونحصل عليه. فالطائفة التي أسست دار الحكمة، في حين كانت عواصم أوربا مستنقعات إقطاعية، والتي نشرت مبادئ المساواة والعدل والحرية، قبل الثورة الفرنسية بمائتي عام، والتي منحت المرأة الدرزية حقوقا متساوية، قرونا قبل سويسرا وهولندا وإنجلترا وغيرها، والوحيدة التي صمدت أمام ابراهيم باشا، الذي اجتاح إحدى أكبر الامبراطوريات في التاريخ، والتي رفعت لواء الثورة والتحرر أمام شعوب المنطقة وعلمتهم التضحية والكفاح، هذه الطائفة بإمكانها أن تتكيف مع روح العصر، وأن تنبت من صفوفها قدرات وقوى ومواهب وشخصيات تحقق أكبر الانجازات.. 

والله ولي التوفيق..

سميح ناطور
دالية الكرمل
حزيران 2012

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.