spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 1
التنظيم الطائفي للدروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143
العدد 142


 
لئلا تضيع أشعار العاميَّة فلنتذكَّر سَيِّد "دار عرى" شب طباعة ارسال لصديق
إعداد: الأستاذ يوسف السيِّد أحمد


 1850-1904

كان إسماعيل الأطرش والد شبلي، زعيم الدروز في جبل العرب في سوريا، بعد أن انتزعها من آل الحمدان، حيث توفي سنة 1892 فخلفه ابنه إبراهيم الذي أصبح قائمقاماً على جبل حوران، وكان حكيماً في إدارته، فقد وُفِّق في حل الكثير من النزاعات واكتسب رضى العثمانيين، ولكن ثورة الفلاحين التي قامت في الجبل بين 1889- 1890 وكان هدفها الإطاحة بزعامة آل الأطرش، فوقف أخوه شبلي ضدَّه مع الفلاحين، واستنجد إبراهيم بالعثمانيين، ولكنَّ عقال الدروز استطاعوا وقتها تدارك الأمر، ورفضهم مقاتلة أبناء الطائفة الواحدة مع بعضها، فهدأت الثورة بعد أن دفع إبراهيم للفلاحين التعويضات اللازمة، وتسلم الزعامة من بعده أخوه شبلي.
لم يتمتع شبلي بصفات الزعامة التي توفَّرت في شخصيَّة أخيه إبراهيم. ذلك أنَّ شبلي فشل أولاً في قيادة ثورة الفلاحين، وفقد ثقة الأخيرين به عندما انضمَّ إلى مشايخ القرى، كما لم يحصل شبلي على تأييد السلطة العثمانية على غرار أخيه. إلا أن شبلي الأطرش، حباه الله بموهبة نادرة وهي نظم الشعر، التي لم تكن لدى الآخرين، فنال محبة الجميع، واعتبر كأحد زعماء الجبل خلال هذه الحقبة من تاريخ جبل الدروز في العهد العثماني. ورغم ذلك فقد ظلَّ الموقف العدائي المتبادل بين الدروز والسلطات العثمانية قائماً خلال هذه الفترة، وأظهر الدروز  استعدادهم دائماً لمجابهة أي إجراء يتخذه الوالي العثماني إذا ما رأوا فيه تهديداً لمصلحتهم.
وتعتبر قرية "عرى" مسقط رأس الشاعر وموطنه، عاصمة أمراء الجبل، وقد ضُرب المثل "بدار عرى" في الكرم وحسن الضيافة. حتى قيل في ذلك الكثير. منها ما قاله الشاعر "منصور عزَّام" في ديوانه ص 138.
صاحب الدار الوسيعة للنزيل
  للجريس(1) أمان وللخايف ظلال
يالها من دار حظ وجرْ حيل(2)
       بالمناسف (3) والقهاوي بالـدلال
لقد انعقد لشبلي الأطرش لواء الزعامتين السياسية والشعرية في الجبل، وقد التفَّ حوله الدروز وناصروه، وتعتبر أشعاره سجلاً حافلاً لتاريخ بني معروف في الحقبة التي عاشها، كما تعكس حياته وخلجات قلبه،والمعاناة التي قاساها وبصورة خاصة من الحكام الأتراك. ففي سنة (1890) اعتُقل شبلي بك الأطرش، وقاده العثمانيون إلى قلعة (المزرعة)، وما إن وصل الخبر إلى الجبل حتى هاجموا القلعة وحاصروها، بعد أن قطعوا عن الجنود مورد المياه المعروف "بعين المزرعة" حتى أشرف الجيش العثماني على الهلاك، فاضطرَّ إلى الإفراج مرغماً عن زعيمهم شبلي الأطرش.
ومرة أخرى وقف أهل الجبل ضد قانون عثماني، يقضي بفرض التجنيد الإجباري على شباب الدروز، فجرَّدت الدولة العثمانية حملة عسكرية على الجبل، وقبضت على زعمائه، وهم: شبلي بك الأطرش ومعه أربعة عشر زعيماً منهم، ونفوهم إلى الأناضول. وقد جرت ست مواقع مهمة بين الدروز والدولة التركية وجيرانهم، وفي سنة 1897 أمّنتهم الدولة العثمانية مكرهة، لتعود فتخلّ في وعودها، وأسرعوا إلى نفي بقية زعماء الجبل.
استطاع بعض هؤلاء الزعماء الفرار من المنفى، ومنهم نسيب الأطرش وسلامة الأطرش ووهبة عامر وقفطان عزام والشيخ الروحي حسين الهجري، ولمَّا وصلوا الجبل اجتمعوا وقرروا إعلان الثورة على الدولة العثمانية.
بعد أن رأت الدولة العثمانية أنها أمام إعلان ثورة قد تسبب لها المشاكل والمصاعب، أعادت المنفيين جميعاً مع شبلي الأطرش عن طريق الآستانة، لمقابلة السلطان عبد الحميد، الذي عفا عنهم، وأكرم عليهم، وكان ذلك سنة 1900.
لكن أهم عمل قام به شبلي الأطرش على الصعيد الداخلي هو تحريك ثورة "الشعبية" الأولى وهي أول ثورة فلاحية اشتراكية في الشرق.
كانت أراضي  كل قرية ملكاً للمشايخ الإقطاعيين، وكان الفلاحون يعملون عندهم، يسكنون ويرحلون تبعاً لإرادة المشايخ، ولكن بعد الثورة تحقق للفلاح ما يريد، فامتلك الأرض وأصبح حراً بالتصرف بها.
ظلَّ شبلي زعيماً للجبل حتى توفي سنة 1904 فحلَّ مكانه أخوه "يحيى الأطرش".
شعر شبلي:
يعتبر شبلي الأطرش من شعراء العامية الكبار الذين أثروا في غيرهم من الشعراء الذين أتوا فيما بعد، فقد تميز شعره بالحنين إلى بلده وداره، خاصة عندما كان في المنفى، وكان يُنشد في كل قرية ولقاء، كما أن حِكَمَه أصبحت على كل لسان، وخاصة عند بني معروف، وقد تنوَّع في كل الأغراض الأدبية، من غزل أو شكوى وتوجُّع أو رثاء، فقد نظم في الشروقي والقرادي والعتابا والقصيد والحماسة والفخر والأدب والفضل والمدح والوصف والتسلي والشكوى، وكان في شعره حكمة بالغة. وقد نظم أكثر أشعاره في منفاه في "الأناضول" ثمَّ يبعثها إلى عشيرته فتهيج كلها، وتثور ثائرتها على الظالم والمعتدي، فتبدأ الغارات، وتثور النخوات. وقد جمعت هذه الأشعار في ديوان واحد سمي "ديوان شبلي الأطرش" وقد طبعته "دار كرم ومكتبتها بدمشق" سنة 1961.   
نماذج من شعره:
في الحنين إلى الوطن:
لم ينس الشاعر شبلي الأطرش أرضه ووطنه، فبعث بأشعاره لأهله وأقاربه، فقال:
غنَّى المعنَّى من فـؤاد موجَّـع
دمع البيابي فوق خـدِّي فـار
عيوني تهلّ الدمع من واهج النيا(4)
من فوق سحلاتِ الخدود غزار
ردَّت عليِّ العين من دمعة النيا
وتقول شبلي عالمـدى فـوَّار
يا دهر همَّك شيَّب الروس واللحى
ولا ظنتي فوق نـارك نــار
الدهر جاوبني على الفور بالعَجَل
قلِّي تهذَّب  انت يا مِهــذار
اصبر لعل الصبر مقرون بالفرج
ولا كلّ مِبْلي عالبلا صبَّــار
حيّي دمشق الشام واقري سلامنا
يا ريت ديران الشوام عمـار
ومنها على حوران يمِّم مطيتك
عَبلادنا عَزّ الدخيل إن جـار
تلفي على دار المهينا بعدنــا
يا دارنـا دار الشقا يـا دار
يا دار أشوفك خالية القاع والغرف
من بعد ما كُنتِ للعبـاد مزار
يا دار من عُقب السجاجيد والفرش
أرى فرشك من العفن وغبار
ردَّت وقالت من يلاغي(5) خرابنا
من انت يا للي جايب الاخبار
كلَّمتـها يـا دار بالله هَـوْني
معي لجنابك قصَّــة وخبار

وقد استخدم الشاعر مطلع هذه القصيدة لقصيدة ثانية رثائية، بعث بها إلى ابن عمته أبو نجم خطار الحنَّاوي يعزِّيه بفقد ولديه هاني وعبد السلام، حيث قتلا في إحدى المعارك ضد الأتراك. فقال فيها رثائهما:
غنَّى المعنَّى من فؤاد موجَّـع
دمع البيابي فوق خدي ساحْ
بلِّغ سلامي للمحبين كلـهم
وعن وجد قلبي للجميع شراح
خصَّص أبو نجم الشجاع المكمَّل
وقلُّو ابن عمتك من غرامه باح
قلّو ابن عمتك دايم الدوم باكي
ودمعات عينو عالخدود طفاح
الأولى على فقد هاني موجَّـع
قلبي انجرح من يوم علمو فاح
والثانية جاني خبر في كتابكم
هدّ القوى والعقل منِّي راح
ما ظنتي ناحت حمامة عَ وِلفها
مثلي ولا الذيب المفارق جاح
ضناني الجفا والوجد والهم والنوى
ودعاني غراب البين يوم ان صاح
وهمِّي جبال الشام تعجز تشيله
يا قلب من مر الفراق نزاح
الله يخون الدهر ما أردى سوالفه
يسقيك من غب الزلال محاح
من آمن الدنيا تذيقو غبونها
وتسقيه كاسات الجفا بقداح

وقد أكثر من الرثاء في شعره لأن الفترة الزمنية التي تزعَّم فيها الدروز، كانت فترة تاريخية صعبة، كثر فيها ظلم الأتراك، وثارت الخلافات المذهبية، وبقي فترة في المنفى وهو زعيم أباً عن جد، فسيطر عليه الحزن، وما إن عرف بمقتل الشابين جبر ونايف أبناء سلامة الأطرش وكذلك الشاب رشراش ابن عبدي الأطرش، حتى رثاهم من منفاه. قائلاً:
عفراق "جبر" انهدّ حيـلي وقـوتي
وعلى نايف الفرسان بالمطراد
عَ رشراش رش الدمع من فوق عارضي
لا يا خسارة قَبل حينو نصاد
ترى همهم يا عم من أعظم البلا
علينا، ولكن هيك ربَّك راد
على الدوم اشخصّهم كأنهم قبالتي
ما يوم قلبي عن هواهم حاد

ومن أهم قصائده قصيدة يصف فيها خصائص الرجال، وتظهر فيها معرفته العميقة بمعادن الرجال، وما هي مميزاتهم. وقد رتَّبها بحسب الحروف الأبجدية.وهذه بعض الأبيات منها
في الحكمة:
الألف ألَّفت المعاني لطالبَهْ مَن
خاض بحراب المخاض وغيص(6)
الباء بِرَّك لا تبطِّل لبذلــه
واظب لابنك دوم بالتحميس
التاء لا تأمن على المال خاين
لو تحَلفو عندو اليمين رخيص
الثاء ثبِّت لفظ فمك من الزلل
واحذر من التزويد والتنقيص
الجيم جارك لا تجافيه وتجحدو
ولا يجحد الجيران غير إبليس
الحاء حيّي الضيف ان جاك زاير
اضحك بوجهه لا تكون عبيس
الخاء خلِّي الناس تذكر خصايلك
بالخير ما هو في كلام بخيس
الدال داري الناس تأمن شرورهم
خذ ما استطعت من الأنام جليس
الذال ذِل النفس للــه وحده
يْمحِّص ذنوبك في غدٍ تمحيص
الراء راح العمر ولَّى مع الصبا
وعيش الفتى عقب الشباب نغيص
الزاي زوِّدها من الخير واجتنب
واحرص على نفسك من التلبيس
السين سيفك لا يفارق وسادتك
خلِّيك فِرِزْ من الرجال حريص
الشين أهل الشور تعمر بلادهم
ويخرِّب بلاد العامرة التخبيص

وهكذا يتابع إلى آخر الحروف الأبجدية، بحكمة وبلاغة مميزتين.
وللشاعر نظرات ثاقبة في الحياة وفي الناس، فهو يتأمل الرجال ويحكم عليها، ويقيِّمها، ويصنفها بحسب تفكيرها إلى أنواع، وتظهر الحكمة من خلال شعره. فيقول:
قايست في فكري الرجاجيل كلّها
نوبات تخطي وفي اوقات تصيب
منهم كريم النفس ما يثقل العطا
يعطي ولو ان السنين جديب
ومنهم بخيل يطالب الجار بالفلس
وبيهم يعزَّك لو نزلت طليب
ومنهم كذوب إصحا تصدِّق كلامه
ومنهم نطول(7) من الرجال غضيب
وبيهم سماوي(8)يعبد الله دايم
قاري الكتب سيِّد شريف نقيب
وبالرغم أن حياته اتسمت بالحزن والألم لفترات طويلة بسبب ظلم الأتراك وتنكيلهم بجميع الشعوب التي كانت تحت حكمها، لكنه يعتبر أيضاً شاعر مرهف الحس، جزل العبارة فقد تطرَّق أيضاً للغزل، فجاء غزله في بعض الأحيان متفجعاً، فعندما يكون في منفاه في الأناضول وقد ترك أحبته في البلاد وحيل بينهما، مما جعله يبدع في ذلك. فقال:
ياللـه يا رب القـدر يا عـالي
يا منجـد المنـظام ترحم حالي
يا طارشي خذلي السلام لصاحبو
واقري التحيَّة للوليف الغــالي
واللِّي يخون العــهد الله يخونُه
وبديت أوصف قامته وفنـونـو
عيون الفهد يومن تشوف عيونه
والهدب من ريش الظليم العـالي
والفم خاتم صايغيـنو مـدوَّر
وسنـونها لـولو من المشـلالي
والراس يلبقلو الذهب حُطُّـولو
وجبينها  دمثل البـدر شعَّـالي
مثل البدر صدغ الوليف الطالع
والطول غصن البان على أمو طالع
والعنق عنق الريم يومن طالـع
فيه العقود محبـكات شـلالـي
فيه العقود محبَّـكة وشفافـو
مثل الورد قبل أن يحـلّ قطافو
مع عانة الغزلان يا من شافـو
ريقـو مثل قَطـر الشهد عسالي

ولا ننسى إيمانه بعقيدته، واحترام مقاماتها، وتقدير قديسيها وأنبيائها، حتى وهو في عز الألم، فعندما وجه قصيدة إلى أخيه "يحيى" الذي كان يمضي فترة في سجن الشام يقول:
نذرٍ عليّ إن جمَّـع الـدهر بينـنا
وشفتك بعيني والربوع الذواهبا
لازور أنا – حطِّين – فيكم مخصص
واعمل وليمة مع جميع السوايبا
واطرب كما طربوا السكارى بسكرهم
وافرح كما فرح الحبيب بحبايبا
وامدح زماني بعد كسران خاطري
واصاحبو عُقب الشقا والقرايبا

هذا شرح مختصر عن أمير الشعر الشعبي القديم الذي ذهب هو ولم يزل شعره تردده الشعراء والعامة في سهراتهم وأمسياتهم على أنغام آلة "الربابة" المحببة لهذا النوع من الشعر.
 



معنى بعض الكلمات: 1- الجريس: الخائف. 2- حيل: عجين الخبز. 3- المناسف: صواني الأرز واللحم. 4- النيا: الفراق والنوى. 5- يلاغي: يصلح. 6- وغيص: عميق. 7- نطول: أحمق. 8- سماوي: يسعى لمحبة الله.
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.