spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 10
هكذا قُضي على الشيشكلي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
كلمة العدد: الدروز والخداع البصري طباعة ارسال لصديق
ورد في مذكرات أحد كبار الرسامين العالميين، أنه اشترك في أواخر حياته بمسابقة رسم، نظّمتها أكاديمية فنية مرموقة في باريس، وأرسل لوحته لتشارك في المسابقة. وقد أعجِب المحكّمون بلوحته، وأعلن أن اللوحة التي قدّمها فازت بالجائزة الأولى، ونُظّم معرض للوحات الفائزة، وتصدّرت لوحته مكان الشرف. وقد دُعي من بلده إلى باريس، للاشتراك في حفل اختتام المعرض، ولنقل اللوحات الفائزة ومن ضمنها لوحته، إلى المتحف المركزي للفنون. سُرّ الفنان كثيرا، ووصل إلى باريس، وهو يكاد يطير من الفرح، منتظرا اللحظة بعد اللحظة ليقف إلى جانب لوحته الفائزة. اقترب من الصالة، ووجد جمهورا كبيرا من المتفرّجين أمام اللوحة معجبا بها يمدحها ويطري عليها، ويذكر مفاتنها وحسناتها. وقف مشدوها، وكاد أن يغمى عليه، وهم أن ينفجر صائحا: هذه اللوحة مقلوبة ضعوها كما يجب!! لكنه حبس أنفاسه، وكتم غيظه، وهدّأ من روعه، وتمالك أعصابه، وانفرجت أساريره عن ابتسامة عريضة، وتقدّم من الجمهور، معتزا مفتخرا، ومعلنا أنه هو صاحب اللوحة...
وفي مجتمعنا عشرات من الأحداث والمشاهد والمواقف المشابهة. نحن نرى شيئا ما أمامنا ونعتقد أنه الحقيقة، لكنه بعيد كل البعد عنها. المهم في الأمر أننا نعتقد أننا نعرف ما يجري، ونعلم بما يصير، ونتصرف وكأننا نملك زمام الأمور، وكأننا نتحكم  وكأننا نعي ما يحدث لنا. وفي حالات كثيرة، تكون الحقيقة بعيدة عن كل ذلك. وإذا نظرنا إلى أحوالنا اليوم، نرى أن هناك أوضاعا مقلوبة، وأوضاعا معكوسة، وأوضاعا غامضة، وقليلا فقط من الصور الحقيقية لمجتمعنا وطائفتنا. فمثلا من يمرّ في قرانا، ويرى العمارات الفاخرة، والمحال التجارية الزاخرة، والسيارات الفخمة، واللباس الأنيق، وتصرفاتنا الاستعلائية، يعتقد لأول وهلة، أن كنوز الأرض مخبّأة تحت أقدامنا، وأننا نملك ثروات طائلة، وأننا حققنا إنجازات علمية كبيرة، وأننا ننعم بكل خير وبكل راحة، ولا ينقصنا شيء. ولكن من يعرف الحقيقة، يعلم أننا شعب يفاخر ويغالي ويبالغ في مصروفاته لكي يظهر كبيرا، وهو ليس بكبير، فكل صاحب سيارة أو بيت أو أي إنجاز آخر، يئن تحت وطأة الديون والقروض، وكل ما نفعله هو مظاهر ومظاهر.
ومَن يتطلع إلى البرلمان الإسرائيلي، يكتشف أننا والحمد لله، نشكّل في عدد أعضائنا في الكنيست، ثلاثة أضعاف عن حجمنا الحقيقي بالنسبة لعدد السكان. فلدينا خمسة أعضاء كنيست، من بين 120، ولأول وهلة، يعتقد المتطلع، أن خمسة أعضاء كنيست في الظروف الحالية، يشكلون قوة ضاغطة هائلة، وأن الطائفة الدرزية، نتيجة لذلك، تنعم بنيل حقوقها كاملة، وأنها تحصل على كل ما تريد، وأن كل ما نطلبه يُنفذ بسرعة، وأنه ليست لدينا أي مشكلة مع الدولة، وأن جميع أمورنا محلولة ومستقرّة ومستتبّة. ونحن واثقون، أن كل عضو من الأعضاء الخمسة، يبذل جهودا كبيرة ليحقق ما يستطيع تحقيقه للطائفة أو لأفراد منها، لكننا لا نلمس أن هنالك عملا جماعيا منظما ومرتّبا، يحقق النتائج المرجوة.
وعندما نسمع أخبار إخواننا في سوريا ولبنان، على ضوء ما يجري، من تنافس على السلطة وعلى الحكم والقيادة في هاتين الدولتين، نعود بذاكرتنا إلى الوراء، ونستعيد بفخر واعتزاز، وقائع الثورة السورية الكبرى، والنضال من أجل الاستقلال في لبنان، ونرفع رؤوسنا شموخا بزعمائنا مثل سلطان باشا الأطرش والأمير مجيد أرسلان وغيرهم، ممن يظل يشهد لهم التاريخ بمواقف مصيرية. وعندما نحاول أن نفهم ما يجري اليوم، لا نعلم ما هو وضع الطائفة الحقيقي في سوريا ولبنان. وما هو ملائم لهم وما هو غير ملائم.
وعندما نتعمّق في أوضاعنا الاجتماعية، نجد أن المرأة الدرزية، قطعت شوطا كبيرا من التقدم والتطور، خاصة في العشرين سنة الأخيرة. وتشير الإحصائيات أن عدد الطالبات الجامعيات والخريجات أكبر من عدد الطلاب والخريجين، وأن الفتيات الدرزيات تنجرف بجموعها نحو التعليم. وفي الموضوع مغالطة، فصحيح أن عدد الطالبات هو أكبر من عدد الطلاب، لكن الحقيقة هي، أن العدد الإجمالي للطرفيْن قليل. فقد كنا نتمنى في قرية مثل دالية الكرمل، يزيد عدد سكانها عن 14 ألف نسمة، أن يكون فيها ألف طالب جامعي وخريج، وأن يكون فيها 1400 طالبة جامعية وخريجة، أما أن يصل عدد الخريجات والخريجين بصعوبة إلى حوالي 300 فهذا ليس بالفخر الكبير.
بعد أيام، تبدأ مواسم الرحلات للخارج. وقبل أشهر، احتفلنا بأيام عيد الأضحى المبارك، وشاهدنا عشرات الحافلات تسافر إلى أفخم الفنادق في البلاد، ورأينا المطار يغص بأبناء وبنات الطائفة. وهذه الحركة السياحية الهائلة، من المفروض أن تعبّر عن وضع اقتصادي سليم. فالسفر إلى الخارج لا يُعتبر ضرورة لا غنى عنها، وهو إحدى الكماليات، لكننا غير مُتّزنين في تفكيرنا، فنحن نسخّر كل قدراتنا، ولا نحافظ على ماء الوجه، عندما نطلب القروض والسُّلف، لكي نؤمّن رحلاتنا، في حين نهمل التعليم والثقافة والأمور الحيوية، التي يجب أن نجنّد لها النقود والأموال.
وفي الآونة الأخيرة شاهدنا ظاهرة التلفونات الخلوية المطوّرة، التي غزت بيوتنا وعقولنا، واستعبدتنا وتحكّمت فينا. فلا يكفي أنك تأتي إلى تجمّع ما، فتجد العديد من الجالسين، كلا منهم قابعا في مكانه، وماسكا بالجهاز، يعبث به غير مكترث بما حوله. وقد تحكّم هذا الجهاز بعقول الطلبة الصغار، فلا يستطيع اليوم أب أن يصمد أمام ضغوطات ابنه أو ابنته، ويضطر أن يقتني لهم هذا الجهاز. ومن المؤسف أن أولادا في التاسعة والعاشرة يحملون جهازا غالي الثمن، ليسوا بحاجة لاستعماله، تكلفته عالية وهو مضيعة للوقت، ويؤثر على مستوى الذكاء والتفكير، لكن الأب مصر أن يشتري لابنه هذا الجهاز، الذي قد يكون ساما، وهو لا يستعمل تفكيره وعقله وواجبه كأب، ولا يحاول أن يعارض رغبات ابنه أو ابنته، وأن يقنعهما أن في استعمال هذا الجهاز قد يكون ضرر أكثر من الفائدة، أو على الأقل يمكنهم أن يعيشوا بدونه.
لقد استعرضنا هنا بعضا من حالات الخداع البصري التي تواجه مجتمعنا، وهذا لا يعزّينا أنها قد تكون موجودة كذلك في مجتمعات أخرى، وكل ما يؤسفنا، أن أشياء كثيرة موجودة في المجتمعات الأخرى، وهي غير موجودة عندنا. ونحن اليوم نخجل عندما نسمع الإحصائيات التي تشير إلى أن الطائفة الدرزية، موجودة إحصائيا في أماكن لا نفخر بها، وهناك مجتمعات كانت متأخرة، واستطاعت بهمم أبنائها وتغيير تفكيرهم، أن تلحق بالركب الحضاري، وأن تحقق الإنجازات، وأن تتقدم بخطى واسعة، تاركة أوضاع طائفتنا في الحضيض. وما زلنا نذكر، منظر ذلك الوزير الذي أصر أن يكون وزير دفاع، وقد أمسك المنظار ووضعه أمام عينيه، وهزّ رأسه وكأنه حقيقة يرى شيئا، وأثبتت الكاميرا التي صوّرته، أن المنظار كان مسدودا، فنحن نوهم غيرنا، ونقنع أنفسنا، أننا في صحوة، وأننا نعرف ما نعمل، وأننا نملك زمام الأمور، لكن ذلك كله أوهام.
ومع كل هذا، علينا أن نعلم أن للطائفة الدرزية قدرات هائلة، وإمكانيات عظيمة، ومواهب فذة، وباستطاعتها أن تحقق أكبر الأشياء، وأن توفر لمجتمعها ولأبنائها كل ما يطلبه ويتمناه، لكن عليها أن تكون في صحوة، وأن تعرف كيف ترتب سلم الأفضليات في أمورها الحياتية، وأن تبذل وتسخر أموالها في الأشياء الصحيحة، وفي الأمور التي تستحق أن يُدفع بها ثمن، وليس في السخافات والمظاهر الخارجية. ونحن على أبواب زيارة سيدنا شعيب عليه السلام، وفي يوم الزيارة، نقف خاشعين أمام الضريح المقدس، وعندها علينا أن نذكر أن النبي شعيب (ع)، كان أول من أعطى دروسا للعالم في الكرم، في إيواء الطريد، في الإدارة، في الأمانة، وفي أشياء كثيرة أخرى. واعلموا أننا نملك مفاتيح العلوم، وأنه بمقدورنا أن نحقق أكبر الأشياء، إذا عرفنا من أين تُؤكل الكتف، وإذا استطعنا أن نتحرر من عقد الخداع البصري التي تنتابنا. 

وكل عام وأنتم بخير..

سميح ناطور
دالية الكرمل
نيسان 2012
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.