spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 92
استطلاع "العمامة": كيف يمكن أن نقرب الشبيبة والأجيال الصاعدة إلى الدين، وإلى تقبل الخصال والمناقب ال
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136
العدد 135


 
المجاهد صالح القضماني طباعة ارسال لصديق
بقلم:
قاهر الدبابة الفرنسية
المقاتل صالح القضماني، من قرية قنوات، جبل العرب، كان في العشرين من عمره عندما أعلِنت الثورة السورية الكبرى عام 1925 وهو شاب في ريعان الصبا، بقوة جسمية فائقة، وينتصب بقامته كالرمح، عريض المنكبيْن، مستدير الوجه، أبيض، أشقر، أزرق العينين، عُرف بين شباب قريته بالشجاعة وقوة البأس، وقد اشتهر بالرجولة واقتحام المصاعب ومقاومة الشدائد، لا يخشى الموت لأنه يؤمن بالمقولة السائدة:" أطلب الموت توهب لك الحياة" ويجمع إلى هذه الطلعة المهيبة، صفات حميدة منها البذل والسخاء ولطف المعشر وحسن الرفقة والنخوة والمروءة والنُصرة للضعيف والاستقامة في المعاملة والصدق في المنطق، والتواضع الجم مع الكبرياء وعزة النفس، ويعيش من أرضه الزراعية التي ورثها من آبائه وأجداده ويعمل فيها كفلاح عادي يأكل عسرته من ثمار هذه الأرض، ويجني محصولها بما فيه الكفاية للحياة البسيطة الشريفة المكللة بعرق الجبين وتعب اليمين، ولا يطمح إلى الثراء وجمع المال، وإنما الذي يرجوه أن تبقى مضافته مفتوحة، ويده قادرة على إكرام الضيوف، والمساواة مع رفاقه من فلاحي القرية.

ومن البديهي أن يلبّي هذا الشاب الصنديد نداء الثورة بقلبه وروحه، ولكنه لا يملك ثمن البندقية وذخيرتها، فاضطُر لبيع قطعة أرض خصبة من أرضه، واشترى بثمنها بندقية حربية وذخيرتها، وكم كانت فرحته كبيرة عندما امتلك بندقيته، وكم كانت سعادته عارمة عندما علقها بكتفه وتمنطق بأجندة الخرطوش على كتفيه. وعندما نُفّر أبناء قنوات الشجعان للقتال، كان صالح القضماني في مقدمة المقاتلين. فالوطن تجتاحه جيوش الاستعمار الفرنسي، والحرية يغتالها الغرباء الأجانب، والسيادة القومية تنهشها ذئاب الغرب، وسوريا العربية تدعو أبناءها إلى الذود عن الحمى، ولا بد من سفك الدماء، والاستقلال يؤخذ ولا يُعطى، والوعود التي نثرها الحلفاء في بلاد العرب، كي يحاربوا الحكم العثماني، ويتخلصوا من سيطرة الأتراك، وظلمهم، وسيطرتهم، هذه الوعود ذرّتها رياح المطامع، وكذبتها شهوة الحلفاء للسيطرة على الشعوب العربية، واستعمار خيرات الأرض العربية، وتمزيقها إلى مناطق نفوذ يستعمرون أهلها باسم التمدين، ويتلاعبون بالمبادئ التي أقرّتها عصبة الأمم في ذلك الزمن، ولكن العرب لم يناموا على الذل والضيم،فقاموا بالثورات في كل أنحاء الوطن العربي. وكانت هذه الثورة التي نكتب عن أبطالها الخالدين غرّة الثورات العربية، وكوكبها الساطع في تاريخنا النضالي المعاصر.

لبّى الصوت المدوّي الذي أطلقه سلطان باشا في سماء سوريا، كل مواطن يستطيع حمل السلاح، وتجاوبت أصداء هذا الصوت في كل بقعة ومكان، وهبّت النفوس الأبيّة الطموحة، إلى ساحات القتال، وكانت أصداء هذا الصوت تعلو وتشمخ عندما خاض المجاهدون معركة "الكفر" الأولى التي حققوا فيها نصراً رائعاً لا مثيل له، عندما أبيدت كل العساكر التي كانت في طريقها للقبض على القائد ورفاقه.
كانت معركة "الكفر" فاتحة الانتصار، والحافز الطبيعي للحكومة الفرنسية على الثأر، بمضاعفة قواها، وحشد عساكرها، للقضاء على الثورة ففرنسا من أعظم دول العالم التي انتصرت في الحروب العالمية الأولى والتي لا تقبل الهزيمة التي مُنيت بها في أول معركة، وفي أول مجابهة مع الثائرين من الشعب الأعزل، الذي تنقصه كل مقوّمات الحرب، ما عدا الشجاعة والنخوة والأيمان بالحرية والاستقلال. ولا ترضى أن تمرّغ سمعتها قلة من الثائرين، فتنتصر على الجيش المسلح المنظم المشهود له بالقوة والشجاعة، فالصفعة كانت قوية في الكفر، والجروح عميقة، والهزيمة منكرة لا يقبلها الصلف الفرنسي.

وحشدت الآلاف من جنودها في أرض المزرعة، وهي في طريقها إلى السويداء، للثأر من الهزيمة، ولفك الحصار عن ضباطها وجنودها المحاصَرين في قلعة السويداء، علها تسترد هيبتها الممرّغة في الكفر وتبسط سلطتها على أنحاء الجبل، ومتى احتلت السويداء، العاصمة، دانت لها بقية المناطق.
وعسكرت القوى المهاجمة على مياه نبع المزرعة، وعلى مسافة عشرة كيلومترات من العاصمة، وهي مجهّزة بالطائرات المدافع الثقيلة والدبّابات والمصفّحات المجنزرة، بقيادة "ميشو" ولم تتفق المصادر التاريخية على عدد هذه القوات، فمصادر القيادة الفرنسية تزعم أن عددها كان ثلاثة آلاف جندي بينما المجاهدين الذين خاضوا المعركة، والذين زاروا ساحات القتال بعد النصر، ومنهم المجاهد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر يقدّرون العدد باثني عشر ألف جندي.
وكان المجاهدون يتربّصون تحرّكات الجيش اللجب، وأمكنة تمركزه، ومسافات انتشاره بطول خمسة كيلو مترات أو أكثر، ودارت معركة جانبية في موقع تل الحديد قبل الاشتباك والهجوم بيوم واحد، ودُحر المجاهدون بخدعة تكتيكية.
ولم يكد يشرق فجر اليوم الثاني من شهر آب 1925 حتى بدأ الهجوم، من ثلاث جهات، واشتبك المجاهدون مع جيش العدو في قتال ضار ٍ، وبالسلاح الأبيض، وبالعصي التي كان أكثر المقاتلين لا يملكون سواها، وانتهت بالفوز الساحق والنصر العظيم للثورة قي قتال دام ٍ استمرّ ثلاثة أيام.
ولا نرى مجالا للتوسّع في الوصف، لأننا في هذه الحلقة، نسجّل بطولة فردية خارقة، وحقيقة كالأسطورة، أقدم عليها المقاتل الشجاع صالح القضماني، وعنه نكتب، وعن بطولته نسجل، ليبقى إقدامه ذكرى خالدة في ضمير الأجيال، وصفحة مشعّة من صفحات التاريخ.

اشترك صالح مع رفاقه المقاتلين من قرية قنوات في المعركة التي جرت في موقع "تل الخروف" عصر اليوم الأول، وفي فجر اليوم الثاني تقدّم صفوف المقاتلين في معركة المزرعة، هذه المعركة الدامية التي اختلط فيها المجاهدون مع العساكر، واستُعملت فيها السيوف والخناجر، وكانت الدبابات والمصفحات العدوة تجوب أرض المعركة، ولا تعرف كيف توجّه نيرانها، لأن القتال كان جنبا إلى جنب، والعسكري في مواجهة المقاتل، والخناجر والفؤوس تلعب دورها، وخرجت مصفحة عدوة من مكانها واندفعت إلى الأمام، وأخذت تطلق نيرانها على الجهة التي كان القضماني يقاتل فيها، فأصابته بأربع إصابات، الرصاصة الأولى اخترقت فكه الأيسر وخرجت من الفك الأيمن، والرصاصة الثانية اخترقت يده اليسرى، والثالثة في كتفه، والرصاصة الرابعة في قدمه اليُسرى.
لم تخذله هذه الرصاصات الأربع، ولم يأبه للدماء النازفة، بل صمد، وتسمر في مكانه هنيهة، وانتزع كوفيته ومزقها، وضمّد بها جراحه، ووثب إلى سنام المصفحة، وبندقيته بيده، ومن فجوتها صوب بندقيته إلى رأس قائدها فقتله، ولاذ بقية الجنود في جوانبها، صرع القائد، وتوقفت النيران، وأخذت المصفحة تترنّح ذات اليمين وذات الشمال، ووقفت على كتف منحدر، تبكي قائدها، وترتجف من هول ما حل بها. وقد أخرسها القضماني عن النطق، وغار صوتها، وهي تلفظ أنفاسها مستسلمة، خرساء، لا تهتدي على طريقها. وقفز القضماني عن ظهرها إلى الأرض، وأسند كتفيه إلى جانبها الأيمن، ودفعها بكل قوة إلى المنخفض الجانبي، حتى أصابع أقدامه خرجت من حذائه من شدة الضغط.
وانقلبت المصفحة رأسا على عقب، إلى الحفرة الجانبية، واشتعلت فيها النيران، وخرج من فيها إلى العراء رافعين سواعدهم، مستسلمين، أذلاء، مرتجفين، وولوا الأدبار نحو رفاقهم، تاركين أسلحتهم وذخيرتهم، غنيمة باردة بأيدي المجاهدين.
واستمر المقاتلون في معركتهم، والقضماني يتقدّمهم، والدبابات اكتست بلون الدم، وبعد توقف النزف، توقف في قلب المعركة يقاتل وكأنه لم يصب بأي أذى، وفي هذه اللحظات سمع صوتا يناديه:" أنقذني يا أبا قاسم". التفت إلى مصدر الصوت وإذ بأحد أبناء قريته المدعو إبراهيم الجرماني، يفترش الأرض، ويئن من الجرح البليغ الذي أصيب به، فدفعته نخوته إلى حمل هذا الجريح على ظهره ونقله إلى مكان آمن خارج المعركة. وصمد جسمه الجبّار لجراحه الأربعة النازفة، وأبت مروءته أن يترك ابن قريته ورفيقه في الجهاد والبطولة. وقد أقعدته إصابته البليغة عن الحركة، وخشي أن يلفظ أنفاسه بين اللهب والدويّ والرصاص والشظايا.

هذه الشجاعة الفائقة، وهذه النخوة المعروفية، وهذه الأمثولة الرائعة، قمينة بأن تسجل في صفحات التاريخ بأحرف من نور كي يستمر بريقها على مدى الأجيال.
انتصرت الثورة في معركة المزرعة انتصارا باهرا وحملت أسلاك البرق أنباء هذا الانتصار إلى كل أرجاء العالم وتراجعت قوى العدو تجرر أذيال الهزيمة والانكسار. ووصلت بقايا شراذمها مهزومة إلى أزرع حيث تولت القاطرات نقل هذه البقايا إلى دمشق ومنها إلى بيروت.
أما المقاتلون ومنهم القضماني فقد عادوا إلى قراهم منتصرين محمّلين بالذخائر والبنادق التي كسبوها، وعكف القضماني في بيته يداوي جراحه، حتى إذا شُفي منها عاد إلى جبهات المعارك التي حدثت بعد معركة المزرعة وواصل مسيرته في الكفاح المسلح واشترك في جميع المعارك التي وقعت إبّان الثورة.
وعندما توقف القتال بعد سنتين ونصف بقي القضمامي في قريته يعيش في بيته المتواضع ويعمل في أرضه ويتقاضى راتب الجهاد التقاعدي. ولكن آثار الجراح بقيت في فكه ولا تخرج الكلمات من شفتيه بوضوح لأن فكه الأيمن بقي كاللولب يتحرك في كل جهة ويحرم المستمع وضوح العبارة.

وعمّر القضماني وبلغ الثامنة والثمانين وبقي شامخا كالصفصافة متنقلا بين كرومه وبيته كالمدرعة الزاحفة إلى الجبهة يجللها وقار الشيخوخة وسمات الوقار والمهابة ورموز الرجولة والبطولة وكأن كثرة الجراح لم تنل من هذه القامة الجبارة بل زادته مهابة ووقاراً
وقد انتقل إلى ديار الخلد عام 1991
إلى رحمة الله يا فارس النجود
إنك النهر المتدفق بالمروءات والشهامة والكرامة
ودموع الشمس تتناثر على ثراك
وسيذكرك تاريخ الجهاد ما دامت صفحاته تستقبل ذكرى الأبطال الخالدين
ولن ينسى الكتاب والمؤرخون وثبتك على سنام التنك كما وصفها الشاعر القروي في وثبة سلطان:
وثبتَ إلى سنام التنك وثباً
عجيباً علم النسر الوقوعَ
فخرّ الجند فوق التنك صرعا
وخرّ التنك تحتهم صريعا
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.