spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 96
شخصية العدد: الشيخ حسين ماضي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 148
العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144


 
دروس وعِبَر من الكارثة طباعة ارسال لصديق
بقلم الأستاذ نزير رباح
مدير المدرسة الشاملة كسرى-سميع متعددة المجالات

ألقيت على عاتقي مؤخرا، مهمة مرافقة وفد من طلاب المدرسة الشاملة كسرى- سميع، ضمن وفد  من الطلاب في إسرائيل، إلى دولة بولندا، لمدة عدة أيام، في مشاهدة بقايا مشروع الإبادة، الذي قام به النازيون، والذي نتجت عنه كارثة القضاء على ستة ملايين من يهود أوروبا وغيرهم من الشعوب الأخرى.  وكما هو متبع في البلاد، منذ عشرات السنين، تقوم وفود طلابية من المواطنين اليهود، بزيارة معسكرات الإبادة في أوروبا، من أجل الدرس والموعظة، وترسيخ التاريخ في نفوسهم. وقد فسحت وزارة المعارف، مؤخرا الفرصة أمام طلاب دروز، بالمشاركة في هذه الزيارات، والاطلاع عن كثب على كل الأماكن والأجهزة، ورؤية كافة المخططات والمشاريع والأساليب التي انتُهجت أثناء الحرب العالمية الثانية من قبل النازيين، في تحقيق مخططاتهم هذه.
 
ضم الوفد 24 طالبا، رافقهم ثلاثة مسئولين، مدير المدرسة كاتب هذه السطور، الأستاذ الشيخ علي عبد الله من إدارة المدرسة والأستاذ يوسف عبد الحق. وكان من المشاركين 17 طالبا من كسرى، 6 طلاب من كفر سميع وطالب من البقيعة. وقد مكث الوفد هناك بضعة أيام، وكان برنامج الزيارة مليئا، غنيا، محددا وصارما، حيث قام الوفد بزيارة الأماكن التاريخية المختلفة، ابتداء من الساعة الثامنة صباحا حتى ساعات المساء. وبعد العودة، كانت تجري محاضرات وبحوث ومراجعات مع الطلاب، حول ما شاهدوه في ذلك النهار، تستمر حتى الساعة الحادية عشرة ليلا. وقد اعتمدت خطة الدراسة أثناء الرحلة، على المشاهدة الأولية للآثار، واستيعاب حجم المأساة، وفي الليل كانت تجري بحوث واستخلاص عبر وتحليلات وإبداء آراء لما شوهد.
 
 وقد ساد أعضاء البعثة جو من الرصانة والرزانة، والشعور بالكآبة، وتقدير صحيح للكارثة الهائلة التي أصابت الشعب اليهودي في هذا المكان وغيره. واندمج الطلاب كليا في هذا الجو، واستوعبوا الموضوع وأهميته، وقدّروا أبعاده وكل ما يتعلق به. وكان كل طالب قد دفع جزءا من التكاليف، وقامت الوزارة بتغطية الجزء المتبقي. وكانت البعثة من مدرستنا أول بعثة درزية طلابية تشترك في هذا المشروع.
 
وقد لمسنا كمربين، أن الطلاب تأثروا كثيرا بما شاهدوه، حيث شعروا بأن الكارثة كانت عميقة، وأبدوا استياءهم من هذا العمل الإجرامي، وتعاطفوا مع الضحايا. وقد استفاد الطلاب كثيرا من اشتراكهم في هذا المشروع، فله أهداف تربوية هامة، هي إبعاد الأولاد عن الكراهية، والتعاطف مع الجيران، وتقوية الروابط بين الطلاب في كل مكان، والعمل على تقصّي الحقائق واستخلاص العِبر مما حدث. ولا شك أن جميع المشتركين تعلموا دروسا قوية مما حدث، وقد عزز هذا فيهم انتماءهم التوحيدي، وشعروا أن وحدتهم هي التي يمكن أن تحفظ لهم كيانهم ووجودهم، حيث قويت فيهم الروابط التوحيدية العريقة، وتحدثوا عن ذلك، وأعربوا عن اعتزازهم بطائفتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، وتيقن كل مشترك، أن العودة إلى الجذور، والارتباط بالأصل والأهل والكيان التوحيدي، هي الضمان الأساسي لعدم وقوع أمور كهذه.
ولقد فوجئت من ضخامة العمل الإجرامي، فقد قرأت الكثير عن الكارثة، ودرست عنها، وكان لي اطلاع على وثائق وكتابات عنها، لكن ما شاهدته بأم عيني، فاق كل تصور وكل خيال، فقد برزت فظائع الإبادة والإجرام،وأثبت كيف أن الحقد الإنساني، يمكن أن يمسخ عقول البشر، ويجعلهم يتصرفون بهذه الكراهية والوحشية. وقد زادني هذا الحدث تعلقا وارتباطا وتمسكا، بكل ما هو توحيدي، وما هو معروفي. وكلي يقين أن الطائفة الدرزية بإمكانها أن تتغلب على أخطار كهذه،إن واجهتها لا سمح الله، إذا توحّدت وتجمّعت وترفّعت عن الغيرة والمنافسة وحب الذات، ففي كيان وعناصر الطائفة التوحيدية العميقة، كل الأسباب والمقومات، أن تستطيع التغلب على مشاكل كهذه، وأن تحافظ على كيانها وعلى سلامتها، بالتسامح فيما بين أعضائها، وبالتكاتف وبالعمل المشترك، وبتصفية النوايا، وبالتضحية بصغائر الأمور، وبالمثابرة على دعم الطائفة ورجالاتها وقياداتها، والمحافظة على الجيران وعلى الغير، وبالتسامح والإرشاد والتنوير، في كل إطار وفي كل مكان، وبتعلم العبر والدروس مما حدث هناك، وتجنّب وجود أسباب الكارثة في قرانا، والتفكير دائما بأن أي عدم اكتراث أو لامبالاة، أو النظر بالاستعلاء على الآخرين، قد يؤدي إلى عودة الكارثة مرة أخرى وقضائها على كل ما هو إنساني وشريف. وهذا الأمر، يرتبط بشكل متين، مع موضوع التربية التوحيدية، الذي انتهج مؤخرا في قرانا، من قبل المجلس الديني الدرزي، ووزارة المعارف، وقسم الطوائف في وزارة الداخلية، والذي نلاحظ انه بدا يغرس في نفوس شبابنا وشاباتنا، التعاليم والأسس والمزايا والفضائل التوحيدية الشريفة، التي تربى على هديها خلال مئات السنين، آباؤنا وأجدادنا، واستطاعوا، بعونه تعالى، أن يحافظوا على كيان الطائفة الدرزية وسلامتها.    
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.