spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 84
عائلة متنورة: الشيخ أبو زياد كامل دبور وعائلته
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كتاب مذكرات منصور الأطرش طباعة ارسال لصديق

بقلم د. أكرم حسون



صدر عن دار رياض الريس للنشر، عام 2008، كتاب يحتوي على مذكرات منصور سلطان الأطرش، من تأليف ابنته ريم، بعنوان : "منصور سلطان الأطرش، الجيل المُدان، سيرة ذاتية" وفيه سرد لحياة منصور الأطرش منذ ولادته قبل الثورة بقليل حتى وفاته. ويتحدث فيه عن الثورة السورية الكبرى، وعن أحداث وأمور وقعت له ولوالده فيما بعد. كما يسرد فيه انضمامه إلى حزب البعث العربي السوري، وتقدّمه فيه، ووصوله إلى مرتبة عالية في الدولة في فترات معيّنة. وفي الكتاب تفاصيل كثيرة عن حياة المواطنين الدروز في سوريا، وعن الأحداث التي وقعت منذ الثورة حتى آخر القرن العشرين. وكان منصور الأطرش قد أنهى دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية  في مدارس شرقي الأردن ودمشق وبيروت. درس العلوم السياسية والتاريخ في الجامعة الأمريكية في بيروت، وحصل على اللقب الأول، ثم انتقل إلى باريس، ودرس في السوربون الحقوق. انتسب إلى حزب البعث عام 1945 وكان عضو المجلس التأسيسي. دخل السجن لأسباب سياسية عدة مرات، ونفي مرة إلى لبنان. رفض تسلم منصب وزير عدة مرات، حتى عام 1963 حيث عُين وزيرا للعمل والشؤون الاجتماعية بعد الانفصال عن مصر. كان عضو القيادتين القطرية والقومية للحزب، وعضو مجلس قيادة الثورة بعد الانفصال. عُين عضوا في مجلس الرئاسة عام 1964 ورئيس المجلس الوطني للثورة عام 1966 وبعد أن تقاعد عمل في الزراعة. له ولدان المهندس ثائر والدكتورة ريم. انتقل إلى رحمته في تشرين ثاني عام 2006. فيما يلي مقتطفات من مذكراته القيّمة:
"..لعل أول مرة وعيت فيها العالم الخارجي كانت، أغلب الظن، في واحة الأزرق، حيث كنت أسمع حولي ضوضاء، وفوق رأسي قبة داكنة، وقبالتي فضاء مليء بالنور ..بت أحب السلاح وأعتني به .. وجاهزية السلاح مطلوبة دوما، لأننا كنا نعيش في تلك القفار عرضة لكل طارئ. إذ كانت الصحراء في ذلك الزمان غير آمنة، وكان الغزو عادة شائعة بين القبائل، ولم يكن الوعي منتشرا بيننا، ونحن قوم غرباء، سواء كنا مجاهدين أم مجرّد لاجئين. فالمحاربون الدروز طبّق صيتهم الآفاق، وشجاعتهم لا ينكرها عليهم أحد، ولكن إذا لانوا أو ذلّوا فهم بكل تأكيد سيكونون فريسة لأول غازٍ تمكّنه قوّته من الاستيلاء على كل ما لديهم من سلاح وأرزاق، وربما من سبي نسائهم، ولا يعجبن أحد من قولي هذا، فالأمر كاد يقع، لولا حكمة رب العالمين، ورهبة القوم.... كان ترحالنا على ظهور الخيل والجمال، ننزل في أرض ثم نتركها إلى أخرى، طلبا للأمن والابتعاد عن غارات الطائرات التي لم تكن تفرّق بين المحاربين وأسرهم. ارتحلنا إلى الأزرق، ثم غادرنا إلى وادي السرحان، ونزلنا في موقع يسمّى النبك، ونصبنا مضاربنا في مساحة لا تزيد على كيلومتر مربع، لم نكن نعرف للحياة طعما، غير الذي اعتدناه هناك، ولم نكن نعرف أن لنا ديارا غير هذه الساحات الرملية، وتلك الكثبان، ولم نكن نعرف أن في الدنيا بحارا وأنهارا وبحيرات وجبالا تكسوها الثلوج، ونسمات ريح يحلو النوم عند مرورها، ولم نكن نعرف أن أهلنا كانوا فلاحين وزارعين وأصحاب قصور. ولم نكن نعرف أن الناس يبدّلون ثيابهم في الشتاء، لثياب أكثر دفءً، ولم نكن نعرف أن الصغار ينتعلون أحذية مخافة العطب. لم نكن نعرف غير هذه الديار، وغير هذه الحياة. انتقلنا من النبك إلى الحديثة، لم تتغيّر معالم الأرض، لكن البئر في الحديثة مياهها أعذب.
عندما كانت تهب ريح عاتية، يقف الرجال في كل خيمة إلى جانب (الواسط) يمسكون به بشدة، مخافة أن تقتلع الريح المكان كله. ويصاحب الريح موجات من الرمل، وسحابات من الغبار، تتغلغل في كل منفذ.: في العيون والأنوف والأفواه وبين طيات الملابس، وتحت أغشية اللحف، وفي أباريق القهوة، وأواني الطبخ، وثنايا ضرف اللبن، الذي كانت تحرص عليه أمي، لأن فيه قوتنا ومصدر شبعنا وكفايتنا. وكانت الرياح تهب أحيانا بلا مقدمات ولا إنذار، تحمل معها ما يعترض طريقها من المتاع المتروك خارج الخيام سهوا أو لغاية ما.
كنت في موسم الجراد، أرتّب حملات قنص مع شريفة ابنة عمي. ننهض باكرا، وقد تأبط كل منا كيسا صنعته أمي، لغرض جمع حصيلة الحملة فيه، فنأتي الشجيرة ونجمع الجرادات وهي ما تزال من شدة برودة الليل لا تقوى على الطيران. وعندما نجمع ما يكفي لوجبة دسمة نعود إلى خيمتنا... ولعل الكثيرين يتقززون من هذه الرواية عن الجراد، وهم لا يعرفون أن سكان تلك الديار من القبائل تستبشر خيرا بموسم الجراد، فهم يجمعونه ويسلقونه ويجففونه في الشمس، ثم يطحنونه بالجاروش، ويخلطونه بالتمر، ويخزنونه طعاما لذيذا يتقون به شر الجوع... وكنا فور عودتنا إلى الخيمة، نأخذ في تحضير وجبتنا، فنأخذ الجرادة ونسحب رأسها، ونفرغ بذلك أنبوبها الهضمي، ثم نقع أجنحتها وأرجلها، وهكذا حتى لا يبقى في الجراب أي جرادة. ثم نأخذ في شكّها بالتتالي في شريط معدني، أو في عود غض من القطف، ونشويها على وهج الجمر، ونلتهمها بالتتابع حتى نشبع... وقائمة المأكولات التي لا تروق لجيل هذه الأيام قد تطول لو تذكّرتها كلها. لكننا نحن أطفال الصحراء، كنا سعداء لأن الجوع بفضلها لم يهدّدنا فكل ما يدفعه عنا لذيذ.
 
كل الأطفال يحبون اللهو، ونحن مثل غيرنا من الأطفال، كنا نلهو بكل الألعاب الفقيرة، التي كنا نبتكرها. وفي اعتقادنا أن كل ما نفعله هو الأمر الطبيعي. ولم يخطر ببالنا كيف يلهو الآخرون من الأطفال في البلاد الأخرى. ولا أدري إن كنا واعين إن كان في الكون كله بلاد وعباد آخرون. وعندما قابلنا بعض الأعراب من الشرارات، كنا لا نرى أطفالهم يلهون بأي شيء، لعلنا كنا أسعد حظا منهم..."   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.