spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 115
التوعية التوحيدية في المدرسة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131


 
كلمة العدد: الكنوز الروحية والكنوز المادية طباعة ارسال لصديق
يحكى أن شيخا ناسكا ورعا، اختار العيش في البراري مكتفيا بنصيبه هذا من الحياة. وفي أحد الأيام دخل صدفة مغارة، فوجد فيها كنزا ثمينا براقا. ذهل وابتعد خائفا وهو يقول:" رأيت الموت، نعم رأيته بعيني الاثنتين". وصادف في طريقه ثلاثة لصوص، ولما رأوه مذعورا، سألوا عن حاله، فقال إنه رأى الموت، فهدأوا من روعه، وطلبوا منه أن يقودهم إلى المكان، فقادهم إلى المغارة، وأشار إلى الكنز، وقال لهم:" هذا هو الموت". تقدم الثلاثة بحذر، ولما شاهدوا أنه يقصد الكنز، فرحوا كثيرا ونصحوا الشيخ بالابتعاد. وأخذ الثلاثة يفكرون بكيفية نقل الكنز من مكانه، دون أن يكشفهم أحد. وطال بهم التفكير، وأحسوا بالجوع، فأرسلوا أحدهم إلى المدينة القريبة، ليحضر لهم طعاما. ذهب اللص، وفي الطريق صمم أن يأكل في المدينة، وأن يحضر لزميليه الأكل مسموما، ليتخلص منهما، ويأخذ الكنز لوحده. وفي نفس الوقت راودت رفيقيه نفس الفكرة، فاتفقا على قتل رفيقهما حال عودته، ليقسما الكنز بين اثنين بدل ثلاثة. وعندما عاد تخلصا منه بضربة قاضية، وجلسا يأكلان ويشربا ويحلمان. وعندما شبعا أخذ السم مفعوله، وقضيا نحبهما، وبقي الكنز مكانه...
لقد آمن واقتنع هذا الشيخ الناسك أن الأموال، مهما كثرت، هي زائلة لا تدوم، وإن كانت فيها فائدة فهي مؤقتة، لكن شرورها أكبر، ومخاطرها أصعب، والعيش بدونها أهدا وأهنأ وأجمل. وهذا الشيخ يعبّر عن التفكير السائد والغالب في التوحيد الدرزي، فالتوجّه التوحيدي هو للروحانيات، للدين، للأخلاق، للمبادئ، للبساطة، للتواضع والإيمان العميق. ولا يحبذ التوحيد الدرزي البهرجة، والمغالاة، والكبرياء، وحب الذات، والركض وراء الثروة والجاه والمركز، وينهي عن تحكم الغرائز، وإتباع الشهوات، والانقياد للملذات، والتمتع بمباهج الحياة، بشكل مبالغ فيه. ومن فضائل التوحيد الدرزي، وجود طبقة من المشايخ الأتقياء، لها نزعة إلى التقشف والزهد وقهر النفس وعبادة الله، والتفرغ للتبحر الديني، والتعمّق الفلسفي، والغوص في بواطن الأمور، وفي ذلك أكبر متعة، وأحسن فائدة، وأجمل وقت. وهذه الطبقة هي الصفوة المختارة من أتقياء الدروز، التي تكسب المجتمع البركة، وتمنحه المصداقية والشرعية، ليكون مجتمعا فاضلا.
 ومن الطبيعي، أن يصبو كل فرد في المجتمع، ليقلد هذه الصفوة المختارة، ويحذو حذوها، ويسلك طريقها، لكن طبيعة الإنسان تجعلنا نؤمن أن ذلك من الصعب أن يتحقق في واقعنا الحالي. وتظل هذه الأمور الراقية، من نصيب فئة قليلة جدا في المجتمع، ضحّت بكل ملذات الحياة، واكتسبت النعيم الذي من الممكن أن يكون أبدياً. ونحن لا نتوقّع أن يكون كل المجتمع مجتمعا فاضلا، فنحن واقعيون، ونعلم أن كل مجتمع يحوي كل الفئات، وكل الأنواع، وكل الأجناس. والفرق بين مجتمع فاضل، ومجتمع غير فاضل، هو بعدد أو بنسبة الطبقات الفاضلة مقابل الطبقات غير فاضلة. أما أن يخلو المجتمع من الأتقياء أو من الأشرار، فلا يمكن ذلك. وكل ما نتوقعه ونريده، هو أن يكون التنقل من أسفل إلى أعلى، وليس بالعكس. أي أن يحاول أكبر عدد من أفراد المجتمع أن يصل إلى مرتبة الأتقياء، أو إلى مراتب قريبة منها. لكن ما نجده ونلاحظه،هو أن التنقل من أسفل إلى أعلى بطيء جداً، وأن الحركة العكسية ليست فقط عملية تنقل، وإنما هي عملية انجراف. إذ فجأة، وخلال فترة قصيرة من الزمن، انكشفنا لمضار الحضارة الغربية، واقتبسنا منها على الغالب، ما يسيء، وما يخجل، وما يضعف، ولم نكتسب ما يدعم ويقوّي ويصحّح ويفيد. تركنا كل ما لدينا، وهرعنا نقلّد ونتباهى ونقتني ونستعمل، بدون أن نفكّر، كيف ولماذا ومتى. ومع الوقت أخذنا نفقد الكثير من فضائلنا ومقوّماتنا، ولم نكتسب بدلها فضائل جديدة. تركنا ما شدّ أزرنا وحمانا خلال ألف سنة، وتبنّينا ما سوف يقضي علينا خلال فترة قصيرة، وابتعدنا وتنكّرنا لذاتنا ولهويتنا ولمبادئنا، وأخذنا نتبنّى كل بِدعة، وكل ظاهرة، وكل صرخة تلوح في الأفق. وإذا استمر مجتمعنا سائرا على هذا المنوال فمستقبلنا قاتم مظلم موحش.
لكن، والحمد لله، وُجد بيننا مَن أقلقه هذا الوضع، وآلمه هذا الواقع، ففعل شيئا لإيقاف هذه العجلة المتدحرجة بأقصى سرعتها. تواجد بيننا المسئولون الذين أوجدوا مشروع التوعية التوحيدية، الذي أخذ يزرع بذور الأمل في نفوس شبابنا وشاباتنا. ففي المقامات، وفي قاعات الدراسة، وفي الصالات الكبرى وفي البيوت، تجري عملية توعية توحيدية حقيقية بريئة، تعزّز في أفراد هذه الطائفة، دعائم الإيمان والعقيدة والفهم والإدراك. وكلنا أمل، أن تتسع حلقات هذه الدائرة، وأن تشمل كل الطبقات، وكل الأوساط في طائفتنا، التي استطاعت أن تتغلّب خلال ألف سنة على كبار الغزاة، وأعظم الإمبراطوريات، وأرقى الجيوش، إلا أنها انجرفت مؤخرا وراء بعض الملذات والأهواء والصغائر، وكادت أن تفقد القاعدة الرئيسية لوجودها.
وفي هذه الأيام، نحن قادمون للاشتراك بالزيارة التقليدية السنوية لمقام سيدنا، نبي الله الخضر (ع)، في قرية كفرياسيف، هذه الزيارة التي بدأت منذ مئات السنين، وأصبحت مع الزيارات الأخرى، نهجا وطريقا لدى أبناء الطائفة الدرزية، وأحد الوسائل والسبل للتذكير بالدعائم والأركان التوحيدية العريقة، والتشبث بها، والمحافظة عليها. وفي مثل هذه المناسبة، نذكر الأنبياء والأولياء الصالحين، والمشايخ الأفاضل، ونتعلم من تجاربهم وأعمالهم. وهنا تحضرنا قصة الشيخ التقي، أبي علي إسماعيل ملاعب، رحمه الله، لنتعلم منها درسا، ونرى فيها عبرة. فقد ذكر عن الشيخ أبي علي  أنه كان يفلح أرضه, فرأى حصاة بين التراب أبرزتها سكة الفلاحة, التقطها وتأملها وراح يقلبها ظهرا لبطن فأعجبه بريقها وكانت جوهرة ثمينة. وفي المساء حملها معه إلى بيته. وسرعان ما عرف الناس أمر الحصاة، فأتوا يتفرجون عليها, ثم عادوا يتداولون في قضية جوهرة حظي بها الشيخ بين التراب. وشاع خبر هذه الجوهرة، وذاع صيتها, حتى وصل إلى آذان العثمانيين الذين كانوا يحكمون البلاد. فجاءت دورية من الجند،استولت على الجوهرة واقتادت الشيخ إلى المخفر للتحقيق.شعر الشيخ بالحرج وبالضيق، ولاحظ عيونا كثيرة تراقبه. وأدرك أن  الجوهرة جلبت الضيق حتى للناس، لفرط ما تعرضوا له من التحقيقات والأسئلة المتلاحقة.
 وبعد سنة وجد كذلك في التلة نفسها، جوهرة أخرى أكبر منها وأثمن، أخذها بين كفيه وقلبها, ثم رماها بعيدا قائلا في نفسه:
بلاك ولا بلاك, وتنهد الصعداء وهو يردد: "مال الدنيا لا يساوي لحظة طمأنينة وراحة بال.".
أجل، كل كنوز العالم المادية، لا تساوي لحظة واحدة من الطمأنينة الروحية، التي يتمتع بها فريق الهدى بيننا. وفي جعبتنا، كنوز روحية ضخمة، نحاول أن نتركها، ونبتعد عنها، ونستميت في تبديلها بالكنوز المادية الفانية.. هدانا الله إلى سواء السبيل. 

وكل عام وأنتم بخير..

سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثان 2012
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.