spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 82
يـوم الــقيـامة في مؤلفات المفكرين الدروز
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الأمير فخر الدين المعني الثاني والتسامح الديني طباعة ارسال لصديق
بقلم السيد منير عطاالله
عُرف عن الأمير فخر الدين المعني الثاني، تسامحه الديني وترفّعه عن كل النعرات المذهبية الضيقة، وتصرّفه مع كافة مواطنيه بالمساواة والعدل، ومنح حرية العبادة، ودعم المقدّسات والأماكن الدينية لكافة لطوائف. وقد جاء في كتاب عيسى إسكندر المعلوف عن الأمير فخر الدين قوله :" كان يحترم الديانات ويكرّم رؤساءها ... وكان له الحق بالحكم في قضايا الجيش وحفظ الأمن والشريعة، تاركا للبطاركة حق الحكم بالشؤون الكنسية مهددا مَن يخالف أوامرهم ". وجاء في نفس الكتاب عن الدويهي: "وفي أيام فخر الدين ارتفعت رؤوس النصارى، وعمّروا الكنائس، وركبوا الخيل، ولفّوا شاشات بيضاء وكُرورا (مناديل الشاش) ولبسوا طوامين (سراويل واسعة) وزنانير مُسقّطة (مزركشة)..." . وسمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية جهارا، وبقرع النواقيس والأجراس، وبحمل الصليب أمام الجنازة وتشييد الأديار والصوامع ... مما كان محذورا عليهم قبل هذا . وكثيرا ما كان يفكّ الأسرى، ويعتق العبيد، ويؤاسي الحزانى، ويطعم الجياع، ويحضن اليتامى.  ولقد أحسن مثوى النصارى في بلاده، حتى كثر قدوم أسرهم من الشمال إلى الجنوب ومن حوران وغيرها. فاستعمر المسيحيون لبنان بعهده، وأنالهم امتيازات، ووسّع نطاق مملكته، ونشر فيها حب التساهل والعلم، فكثر مريدوه وأخلصوا له الولاء والطاعة...
وأطلق الحرية أيضا، إلى حاخامي اليهود الذين في فلسطين ولبنان وسوريا،  للتصرّف بما يحفظ لهم حقوق مذهبهم وعاداتهم، بحسب توراتهم وتلمودهم وتقاليدهم، فكانوا يحبّونه ويأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه. وكان كثير منهم من التجار وأرباب الأعمال الأخرى فخدموه خدمة مفيدة.
أما المفتي والقاضي عند السُّنة والشيعة، فكانا نائلي الحظوة لديه، وهو يحافظ على حقوق كل منهما، وينفذ ما يقضي به الجميع في المدنيات، ولا يعترض ما يجري من الأحكام الدينية، بل يساعد على تنفيذها عند الحاجة، إذا تعذّر ذلك على الرؤساء الموكول إليهم حلها، مما يدل على تساهله وعدم تعصّبه وحُسن سياسته.
وعلى الجُملة، فإن المعني كان حاكما عادلا يقظا، لا تخفى عليه خافية، ولا يخدعه مخاتل، بل هو حاضر الذهن، بعيد النظر دقيق البحث جيد الفراسة، يفكر بمصيره ببصيرة وقّادة، ليقف على كل ما يجري في ولايته من الأعمال."
وجاء في كتاب الخوري بولس قرألي بعنوان "فخر الدين المعني الثاني حاكم لبنان" عن تسامح الأمير ما يلي:
"لما اجتاح العرب الشرق المسيحي، ودوّخوا ممالكه، وأصبحوا أسياده، أنكروا على المسيحي الذي كان سيّدا، المساواة بالمسلم في الحقوق المدنية، وضيّقوا عليه الحرية الدينية, ولما غزا الصليبيون الشرق عدّ المسلم مواطنه المسيحي عدوّا وأضمر له الحقد والانتقام، حتى إذا عاد هؤلاء إلى بلادهم، عامله كعبد مكروه واستباح ماله وعرضه وحياته. وكانت الإضطهادات والمذابح، فهلك الكثير من مسيحيي الشرق وجحد الكثير، وأمسى البقية أقلية ذليلة فقيرة.
وكان حظّ اليهودي شبيها لحظ المسيحي، ولعله كان أرفق حالا لمقدرته على ابتياع راحته بالمال، ولم يبقَ عند المسيحي مال. ولم يخلُ الأمر من كره بين الشيعي والدرزي، بيد أنه كان كامنا وظهر نادرا. واستحكمت البغضاء بين الدرزي والسُّني، وخاصة الأتراك بعد السنة 1585، التي قتلوا فيها ستين ألف درزي.
دام هذا الظلم عشرة قرون طوال، إلى أن جاء فخر الدين، فساوى بين رعاياه، وأطلق للجميع الحرية الدينية، مستأصلا بهذا التدبير العلة الأولى للمنازعات الداخلية والتعدّيات الفردية، مكتسبا لنفسه وأسرته ولدولته محبة العنصر المظلوم وإخلاصه وعطف أمراء الغرب واحترامهم. ونشأ بين مختلف العناصر اللبنانية تضامن أخوي في سبيل الدفاع عن الوطن الذي أصبح للجميع وأصبح الجميع له. ومن أمجاد هذا الأمير الدرزي العظيم، أنه أقرّ في بلاده الحرية والمساواة والإخاء قبل أن تنادي بها في باريس الثورة الفرنسية بقرنيْن. 
ولننظر الآن كيف عرف الأمير أن يضع هذه الفكرة الشريفة موضع العمل في معاملته لشتى المذاهب والطوائف اللبنانية :
أولا المسلمون : لم تكن الحماية التي أولاها فخر الدين للمسيحيين لتحمله على أن يبخس المسلمين من سنيين وشيعيين حقهم. فمراعاته لرؤسائهم الروحيين لم تكن أقل مما يبديه للأولين. كان يسهر على راحتهم وكرامتهم وينفذ أحكامهم في بني ملّتهم. وقد شيّد لهم الجوامع، كجامع القاع في البقاع، والجامع البرّاني في صيدا... ومع كونه درزيا كان يحضر رسميا الصلاة في الجامع أيام الأعياد الكبيرة، ويرتّب في حاشيته العلماء والمؤذنين، كالشيخ ناصر وأسيره المتصوف، والشيخ حمد صبايا البيروتي. لقد اصطحبهم إلى إيطاليا وكانوا يصلّون ويؤذنون في جماعته... وكان يسمح لأسرته بصوم رمضان ويحفظ الأعياد الإسلامية ويتبرّع بتموين الحجاج والمحافظة عليهم بالجنود والقواد، وينصِّب أحيانا كواخيه أو أحد أولاده أميرا للحج . بيد أن السنيين لم يكونوا راضيين عنه الرضا كله، لعطفه على المسيحيين. وكان الشيعيون أقرب إليه منهم وأكثر إخلاصا له وللبنان ومع ذلك كان الأمير يجنّد من الاثنين على السواء..
ثانيا اليهود : ساواهم بالمسلمين والمسيحيين في الحقوق المدنية والدينية، وحماهم وشجّع هجرتهم إلى بلاده. فأصبحوا على قول ساندس "قابضين على زمام التجارة في صفد" وكانوا عاملا صالحا في نمو اقتصاد لبنان. واتّخذ منهم الكتبة والحسبة واستوزر بعضهم كإبراهيم ناحمياس الذي جعله قيّما على أشغاله الخاصة، وكاتبا أولا لولده الأمير علي حاكم صيدا. وكان من أخص أخصائه نفحه بلقب" أعز المحبين" الشرفي الذي خوّل الحق في تركه لأبنائه وأحفاده. ونعرف من أخصائه اليهود إسحاق كارو، رافقه إلى توسكانا وآخرين كانوا يتعاطون الطب في صيدا. وأكبر الظن أنه كلّف اليهود ضبط حسابات دولته ومسك دفاترها. وقال عنهم سانتي في تقرير  سنة  1614 " أنهم في لبنان أكثر جاها وأكبر ثروة من المسيحيين".
ثالثا الملكيون: مع أنهم كانوا غير خاضعين للكرسي الرسولي حليفه، لم يكن الأمير بأقل مراعاة لهم من الكاثوليك. فكان يشجّع هجرتهم إلى لبنان الجنوبي ويحميهم من التعدّي. ولما ضمّ إليه طرابلس وعكّار والكورة حيث يكثر عددهم جنّد قسما منهم في جيشه ووضع بطريركهم أغناطيوس عطية تحت حمايته." 
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.