spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 3
الشيخ حسين عليان
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143
العدد 142


 
كلمة العدد: ليس الحكيم من نطق بالحكمة، بل من عمل بها طباعة ارسال لصديق
تخاصم في إحدى القرى أخوان حول قطعة أرض، فادّعى كل واحد منهما أنها له ومُلكه، وأنه لا حقّ لأخيه فيها، ووصل النزاع بينهما أشدّهُ، وكادت أن تقع بينهما فتنة شديدة، فتدخل المصلحون ورجال الخير، وحاولوا التوفيق وتهدئة الخواطر، لكن دون جدوى. وكان يعيش في المنطقة شيخ زاهد تقي، يحتكم إليه الناس، يبتّ بالعدل والإنصاف دون محاباة ولا تحيُّز لأحد، وإنما يحكم بما يوحي به ضميره. وبعد جهد جهيد، وافق الأخوان أن يحكم الشيخ فيما بينهما، قابلين قراره، لما عُرف عنه من نزاهة وعدل واستقامة. جاء الأخوان إلى الشيخ، وصرّح كل منهما بما عنده، قائلا إن الأرض ملكه وهي له وليست لأخيه. سمع الشيخ كلام الأخوين، ورأى أن الصراع شديد، وانه لا أمل في المهادنة، أو قبول حل وسط. فكر الشيخ برهة ثم قال للحضور، ومن بينهما الأخوين: " فلنسأل الأرض ما رأيها!"  وانبطح الشيخ على الأرض، وتهامس معها، أمام استغراب الحضور واستهجانهم. وبعد مرور وقت، اعتدل الشيخ في جلسته، وساد الصمت في المكان، وترقَّب الجميع ماذا سيقول. فوقف الشيخ وتفرّس في وجوه الحاضرين، وكأنه سيقول شيئا جللا، وحدّق في عيون الأخوين وقال: "سألت الأرض لمن هي من الأخوين، فأجابتني الأرض، أنها ليست لأحد منهما، وإنما هما لها، ومصيرهما إليها!!!".
نعم، في هذه الأيام القدسية ونحن على أعتاب عيد الأضحى المبارك، وتحت ظلال ليالي العُشر الروحانية، نتوجّه للخالق، بطلب المغفرة والمسامحة، ضارعين له أن يرعانا ويحمينا كطائفة وكأفراد وكعائلات، متوجّهين إليه، بقلوب مؤمنة، ونفوس خاشعة، مترفعين عن كل ملاذ هذا العالم، مجرّدين من الأطماع، منزّهين عن الأحقاد والضغائن، طالبين الخشوع والعبادة والحياة الهادئة الكريمة، وحفظ العائلة والأولاد، وحماية المجتمع، وبقاء الصلح والعدل والمحبة بين الناس، والعودة إلى الجذور، والتشبّث بالفضائل التي تعوّدنا عليها، وتحكيم العقل والمنطق في كل المعاملات فيما بيننا. 
وإذا أردنا أن نأخذ عِبرة من قصّة الأخويْن، نجد أن عددا كبيرا بيننا، هم من طبقة هؤلاء الأخويْن. فلا نهاية للصراعات وللمحاكمات وللمناوشات فيما بيننا على أمور دنيوية زائلة، لا تبقى ولا تظل، ولا يمكن أن يستفيد منها المرء إلى أمد طويل. وكثيرا ما يحدث أن نخسر مئات آلاف الدنانير من أجل موضوع لا تتعدى قيمته بضع آلاف من الدنانير، ونرهق أنفسنا ونسخّر المحاكم. وفي النهاية، إمّا أن نحصل على شيء صغير، أو لا نحصل أبدا. وهذا الأمر يتمّ في الأمور الخاصة بين الإخوان والأقارب، وفي أمور عامّة على مستوى الطائفة مثل مراكز ومناصب. فمثلا قبل موسم الانتخابات للمجالس المحلية في قرانا، نجد المرشّحين يبذلون الغالي والرخيص من أجل الفوز بمقعد في المجلس المحلي أو بمنصب آخر شبيه، ونلاحظ أن كل العائلة تتمركز في موقع ما وتقوّي استحكاماتها ضد العائلات أو القوائم الأخرى، وكأن الفوز في هذا المقعد يعني بالنسبة لهم إما الحياة أو العدم، أو كأن هذا الموضوع هو أمر مصيري، يمكن أن يحقق إنجازات لا حد لها للفائز به. وأحيانا تتأزّم الأمور وقد تتحوّل إلى مناوشات وإلى صراعات غير هيّنة. ويفوز مَن يفوز، ويخسر من يخسر، وبعد الانتخابات نبدأ بالبحث عن أولئك الذين كانوا نجوم الجرائد ووسائل الإعلام، والذين وقفوا على كل منبر، والذين كان الشر يتطاير من أعينهم قبل ذلك، ونسأل عنهم ولا نجدهم، وأحيانا يتبدّل أعضاء المجلس المحلي، ولا أحد يعلم ولا أحد يهتم ولا أحد يكترث. وعندما تقترب الانتخابات يبدأ الصراع من جديد، وتتكرر العملية، ولا نتعلم درسا ولا نتخذ عبرة ونستمر في طريقنا. ونحن نورد المثل بالنسبة للمجالس المحلية، لأنها أكثر  هذه النماذج وضوحا وتعبيرا ودرسا. لكن يوجد في حياتنا عشرات النماذج من الصراعات المختلفة فيما بيننا، على أمور لا تستحقَ كل هذا الاهتمام وكل هذه الجهود، حيث ننشغل بها ونتركز في تنفيذها، ولا يبقى لدينا متّسع أو أعصاب أو قدرات لمواجهة المشاكل الحقيقية في حياتنا.
وقد كنا دائما وما زلنا، أكثر الناس، نحثّ الجميع على التقدّم، وعلى التألُّق، وعلى التعليم، وتحقيق المعرفة والثقافة والتعمُّق في الدين، والتبحُّر في العلوم، والإخلاص في العمل، ومحاولة الترقي والتطور في كل مجال يجد الإنسان أنه يحقق ذاته فيه. وهناك أمور جوهرية في حياتنا يجب أن ننشغل بها، ونكرّس جهودنا لها، مثل تربية الأولاد التربية الصحيحة، التعليم، الثقافة الجامعية، اختيار مهنة صحيحة، بناء بيت ، إقامة أسرة اكتساب معرفة ذاتية، نشر وعي وثقافة، وأمور جوهرية أخرى لها طعم وقيمة في الحياة. وفي كل هذه الأمور يجب أن نكون دائما في القمّة، وأن نكون قدوة وأن نعمل كل ما باستطاعتنا لكي نكون من الأوائل. وفي المنافسة من أجل تحقيق الخير والعمل والصالح والفائدة للمجتمع، لا يوجد صراع. فمن يتقدم في هذا المجال لا يدوس على أحد، بل يتقبل من الجميع الحمد والثناء. ولكي نصل إلى هذا المستوى، يجب أن تكون لدينا مدارك واسعة، ومنطق سليم، وآفاق عريضة وعقل راجح. 
وفي ليالي العشر المباركة، يتمنى رجال الدين أن يقدم الشباب وغير المتدينين للمشاركة في السهرات الدينية الروحانية التي تسبق عيد الأضحى المبارك. وفي كل سنة نلاحظ عددا أكبر وأكبر من غير المتدينين يضعون الغطاء  على رؤوسهم ويقدمون للاشتراك في السهرة الدينية. وكل إنسان من هؤلاء يقبل على باب الخلوة ويدخلها، يبعث الفرح والغبطة في نفوس المتدينين الجالسين فيها. فالدين هو للجميع، وهو ليس حصرا على المتدين فقط، وكل إنسان غير ميئوس من إقدامه للانضمام إلى صفوف الدين، وعيد الأضحى هو للجميع، وفيه رموز وفيه معانٍ وفيه أهداف وغايات تتعلق بكل فرد، فالفرصة مهيّأة أمام كل مواطن توحيدي غير متدين، أن يحاول أن ينهل من رحيق الدين بعض القطرات في ليالي العشر المباركة. وعندما يجلس الإنسان في أرض الخلوة، يشعر بالمساواة مع أخيه الإنسان الآخر، فلا فرق  في المركز أو الثروة أو الوظيفة أو كل علامات الجاه والسلطة، وأنت جالس مع الجميع على فراش الخلوة. فالكل سواسية والكل يحدوهم إيمان واحد ومصير واحد وهدف واحد، ولا يختلف إنسان عن إنسان إلا بمدى تقواه وخشوعه وتبحره في الحفظ والمعرفة والعلوم. وفي تلك اللحظات، ترخص كل مباهج الدنيا، وكل النفائس الخارجية، وكل العلامات البرّاقة التي يتباهى ويفتخر بها الآخرون. في تلك اللحظة يسود الخشوع والتقوى ومخافة الله، ويذكر الإنسان ربّه، ويعود إلى نفسه، ويعرف من هو، ومن أين أتى، وما هو مصيره في الحياة. فعيد الأضحى هو مناسبة للتعالي والترفع والابتعاد عن كل مباهج الحياة، وهو السبيل للتضحية بزخارف الدنيا واستبدالها بكنوز المعرفة والإيمان. ونحن نحبّذ طبعا أن يكون الجميع متدينين، لكننا نعلم أن  ذلك ليس ممكنا، وكل ما نرجوه ونتمناه، هو أن نتقيّد جميعا بمبادئ عيد الأضحى وبتعاليمه وبأخلاقياته، وأن نطبّق هذه الأمور في حياتنا الخارجية، وفي مسالكنا الحياتية، وفي معاملاتنا الواحد مع الآخر، ونحن غير ناسين من أين أتينا، وما هو مصيرنا، وإلى أين نحن سائرون. إذ أننا نهتدي في هذه الأيام المباركة بالعبارة المشهورة لسيدنا الحكيم افلاطون: " ليس الحكيم من نطق بالحكمة، لكن الحكيم هو من عمل بها". 

وكل عام وأنتم بخير..

سميح ناطور
دالية الكرمل
تشرين ثاني
2011


                                         

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.