spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 110
محاضرة: أهمية الماء في التوحيد الدرزي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 147
العدد 146
العدد 145
العدد 144
العدد 143


 
كلمة العدد: بركة من باسمه اقترن الحبيس طباعة ارسال لصديق

ذكر أمامنا أحد الأصدقاء، حادثة فيها عبرة كبيرة. فقد جاء أحد المواطنين الأمريكيين، إلى مدينة القدس، ومكث فيها فترة من الوقت، حين وقعت فيها تفجيرات في الأماكن العامة. وكان هذا الشخص يقف، في أحد الأيام،  منتظرا دوره في أحد الأماكن العامة، وفجأة جاء شاب، وتجاوز الدور واندسّ أمام المواطن الأمريكي وتقدّم. وبعد لحظات، وقع انفجار، فأصيب هذا الشاب بجروح خطيرة. أما الأمريكي فلم يصب بأذى، واعتقد أن القدرة الإلهية هي التي أنقذته، حينما اندفع الشاب أمامه. شعر بالذنب وأعلن أمام أهل الشاب، أنه يتكفل بكافة مصاريف علاجه. وفعلا اضطر الشاب المصاب إلى السفر إلى أمريكا للعلاج، فتعهد المواطن الأمريكي بكل التكاليف. وعندما وصل إلى المطار في نيويورك، ترك المواطن الأمريكي مكتبه في برج التوأمين، وذهب إلى المطار لاستقبال الشاب الجريح. وحينما كان في المطار، حصل الهجوم في 11 سبتمبر، وتحطم البرجان بما في ذلك مكتب المواطن الأمريكي، ووقف هذا المواطن مرة أخرى، مشدوها أمام حكمة الله وإرادته، التي جعلت نفس الشاب ينقذ حياته مرتين...
 نتعلم من هذه القصة، أن كل إنسان منا، يلاقي ما قُدِّر له. وأن الأمور المصيرية مكتوبة على الإنسان، وأنه لن يهرب من قدره أو مصيره مهما حاول. ونحن قوم يؤمن بالرضا والتسليم، وهذه نعمة من نِعم الله سبحانه وتعالى، نعتز ونفتخر ونؤمن بها، ونسير على هديها. لكن الله سبحانه وتعالى، منحنا العقل لكي نفكر ونخطط ونهتدي، ونعمل بشكل عقلاني منظم ومرتب وبروية واتزان. وإذا لم يكن لدينا تحكُم أو سلطة بالنسبة للأمور المصيرية، كالحياة والموت في حياتنا، إلا أننا نملك كامل الحرية في الشؤون والأمور العادية والرتيبة في حياتنا. ونحن مطالبون بعمل الخير والمعروف، ونحن مطالبون بالاهتمام بالوالدين والأهل والأولاد، ونحن مطالبون بالسعي من أجل رفاهية الأسرة والمجتمع. ومنذ القدم كنا مجتمعا قويا متراصا، واستطعنا تجاوز كل المحن وكل العقبات والمؤامرات، بعونه تعالى، وبوحدتنا وتكاتفنا. وقد وضع أمامنا أنبياؤنا وأولياءنا، كافة التوجيهات والتعليمات والتنبيهات، لكي نصل إلى الحياة الأفضل، والسلوك الأحسن، وإلى عمل الخير، وإلى التكاتف والتعاضد والتعاون وتنفيذ ما يتطابق مع مبادئنا وشرائعنا، وتجنّب ما تنهى عنه تعاليمنا، وليس لدينا أوضح من ذلك، فالكل معروف وجليّ أمامنا، وعلينا فقط التنفيذ والتطبيق.
ونحن من الذين ينظرون دائما بتفاؤل وأمل للمجتمع، والذين يصرون على رؤية الخير ورجوحه، والذين يعتقدون دائما أن هذه الطائفة بُنيت بالعزة والكرامة. وبما أنه كان لها ماض عريق وتاريخ مجيد، فلا بد أن تستمر في هذا المضمار، وأن تحقق في المستقبل أمجادا وأعمالا لا تقلّ أهمية وثروة وشأنا، عن الأمجاد السابقة التي تحققت حتى الآن. ولو أراد الله، سبحانه وتعالى، أن يخلق كل الناس مجتمعا فاضلا لفعل ذلك. لكنه خلق الناس مع غرائز وطبائع وعادات وميول ونزعات متباينة مختلفة، كي يضع تحديات واختبارات أمام كل إنسان، يدفعه إلى تحقيق ذاته، من حيث فعل الخير أو فعل الشر، أو محاسبته فيما بعد. لذلك يجب أن لا نتأثر، أو يجب أن لا نصاب باليأس والقنوط، إذا رأينا بعض المشاهد الشاذة. ففي كل مجتمع، يوجد كل شيء، الخير والشر،  والصالح والطالح، والمفيد وغير المفيد. ومقياس كل إنسان، هو أن يتقيد بما يملي عليه ضميره ودينه، وما حدد لنفسه من خطوط ومبادئ، وما وضع نصب عينيه تحقيقه والعمل به. ومن طبيعة وسائل الإعلام في كل مكان، أنها تركز على الشاذ، وغير العادي، وعلى الأمور التي تثير القلق وحب الاستطلاع. وهي غالبا لا تذكر الفضائل وأعمال الخير ومساعدة الغير والاهتمام بشئون الآخرين، لأن هذه الأشياء في عرفها أمور عادية لا تستحق الذكر، فتركز على غير العادي والذي يثير الاهتمام والانتباه. فمثلا، في كل لحظة يمكن أن تجد في الجو أكثر من ألف طائرة، تقلع من مكانها، وتطير وتحط بأمن وسلام، ولا أحد يذكر ذلك. أما إذا وقعت أي حادثة، فالجمهور يقف فاغر الفم أمام هول الحادثة. كذلك قد تجد جميع الموظفين والعاملين والسكان والآباء والأمهات والأبناء، يقومون كل واحد بواجبه خير قيام، ولا يذكر أحد ذلك. وحينما يقع أي حدث غير عادي، تسلط عليه الأضواء، وتركز عليه الأحداث. وإذا صدف ووقع أكثر من حدث، فيظهر أمام الناس، وكأنها كارثة حلّت بذلك المكان. بينما إذا وضعنا هذه الأمور في مكانها الصحيح، وفي موقعها المناسب، نجد أن نسبتها ضئيلة جدا، لا تُذكر، وليس لها أي أهمية، ونستمر في طريق العمل والخير والسعي إلى التنفيذ بشكل منظم دون أن نتأثر بالشواذ.
من ناحية أخرى، لا شك أننا أخذنا ننجرف، مع كافة المؤثرات الخارجية علينا، وأخذنا نبتعد عن جذورنا وعن تقاليدنا، وعن الأسس العريقة التي بنيناها وحافظنا عليها خلال ألف سنة وأكثر. وعندما كنا مجتمعا مغلقا، كانت لدينا الوسائل الكافية لحمايتنا والتي اكتسبناها وحافظنا عليها وحافظت علينا خلال مئات السنين.أما اليوم فقد تشربنا بعض أخلاق وعادات الآخرين، وقد استوردنا ظواهر غريبة عنا، وقد تبنينا أمورا وأساليب ليست بالحصر مناسبة لنا، وفي نفس الوقت، لم نقصد ولم نفكر ولم نحاول أن نعرف كيف نحمي أنفسنا من أخطار هذه الأمور المستوردة وكيف نمنع المبالغة في استعمالها.
ونود أن نقول، إن الأمور ما زالت قابلة للتغيير والتعديل، وبالإمكان ضبطها وحصرها والتسلط عليها ومنع تفشيها. ومن أجل ذلك علينا أولا أن نكون يقظين للخطر، وأن نعرف أين هو، وما هي أبعاده، وعندها نستطيع أن نتداركه وأن نوقفه وأن نمنعه من الاستحواذ علينا. ونحن نعتقد أنه ما زالت لدينا القدرات الأهلية والطائفية والدينية والاجتماعية، لأن نتعاون في الصمود أمام هذه الأخطار، متناسين الصراعات السياسية والمنافسات العائلية والطموحات الشخصية، فهذه الأخطار هي بمثابة هوريكان جارف يسحق كل ما يقف في طريقه .
وفي هذه الأيام التي نزور فيها مقام سيدنا سبلان (ع) في حرفيش، نذكر قصته مع حساده ومناوئيه، الذين حاولوا الهجوم عليه والفتك به لمجرد أنه مؤمن تقي، فأنزل الله، سبحانه وتعالى، مطرا غزيرا وفاض الوادي بين النبي سبلان (ع) وبين مطارديه ولذلك سمي وادي الحبيس. ونحن اليوم نجتمع في رحاب المقام الشريف في حرفيش، على مقربة من وادي الحبيس، ضارعين إلى الله، سبحانه وتعالى، أن يحبس عنا كافة الأخطار المحدقة بنا، وأن يحمينا وينقذنا. ولكن علينا قبل كل شيء، أن نؤمن ونعتقد وننتصح ونهتدي ونحاول، فنحن، والحمد لله، ما زلنا مشمولين ببركة ذلك الذي من اجله وباسمه، اقترن الحبيس..     

وكل عام وأنتم بخير..
سميح ناطور
دالية الكرمل
ايلول
2011

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2019 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.