spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 60
المرحوم الشيخ أبو توفيق حمزة حلبي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137


 
هل هناك تناقض بين صدق اللسان والتقية طباعة ارسال لصديق
بقلم الشيخ د. أنور أبو خزام
ملخص مقال في كتاب "مقالات في التوحيد" 
... اهتمّ الشيوخ الأعيان عبر تاريخ الطائفة بهذا الركن الأول من أركان التوحيد (صدق اللسان) وجهدوا كي يقدموا الصورة المثلى لصدق اللسان، ويضعونه بتصرف السالك أو المريد. وقدم الشارح الأكبر للمذهب، ونعني به الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي (ق) شرحا مستفيضا لمعنى صدق اللسان، وركّز على بُعدين معنويين في شرحه لهذا الركن:
1 المعنى الأول قصد به المعنى اللفظي للعبارة أو معناها الظاهر، وهي تقضي بوجوب التقيد بالصدق تقيدا تاما، في كل ما ينطق به الموحد من كلام...
2- المعنى الثاني هو معنى باطني عميق يدخل في أبعاد المذهب الفلسفية واللاهوتية...
والآن يُطرح السؤال التالي: :هل هناك تناقض بين القول بالصدق والخضوع لأحكامه، وبين الاستتار أو التقية، كما هي شائعة في الاجتهاد التوحيدي ؟"
والواقع أن لا تناقض بين هذين الشرطين لأن الصدق مطلوب بإطلاق، أما التقية عند الموحدين فلا تعني نكران الحقيقة أو إبطالها أو القول بعكسها. إن تقية الموحدين هي تقية إيجابية بمعنى أن الموحد يتآلف ويتكيف مع الجو الاجتماعي الذي يعيش فيه، فيحترم العادات السائدة والتقاليد والقوانين والأعراف في المجتمع الذي يعيش فيه، فليس المطلوب من الموحد أن يتميّز ظاهرا عن باقي الناس، وليس مطلوبا منه التبشير بمعتقده لأحد، حتى ولو كان من أبناء مذهبه. وسبب ذلك، أن التوحيد هو طلب وجداني يحرك صاحبه باتجاه المعرفة، ومن لم يكن يحس بقلق معرفي لمعرفة معتقد التوحيد، فلا حاجة تقتضي شرح التوحيد له، خصوصا وأن التوحيد نظرة عميقة جدا إلى الوجود والإلوهية، ولا يمكن تفهّمه إلا عندما يكون الإنسان مُشبّعا بروح القلق لمعرفة أسراره وخفاياه. التقية إذن هي مجرد اجتناب القول في قضايا روحانية لا يملك معرفتها إلا أصحابها.  كما أن الموحدين يرون في عرض الديانة من دون طلب تخفيفا من قيمتها وهتكا لسرها. وهذا الأمر قال به معظم الأنبياء ولا ننسى منهم السيد المسيح عندما حذر تلامذته من طرح الدين على من لا يستحقه بالقول :" لا تلقوا بدرركم إلى الخنازير".
ومن جملة ما يعتقد به الموحدون أن الإيمان الديني قضية شخصية لا إكراه فيها ولا قصر، وإن الإنسان يختار لنفسه الديانة التي يؤمن بصوابيتها. كما أن الموحدين لا يغفلون حقيقة وجود الحقائق التوحيدية في كافة الديانات السماوية. فهم يجلّون التوراة والأناجيل والقرآن الكريم وحكم الفلاسفة وأقوال الأنبياء والرسل  ويحتجون بها في سبيل التدليل على صحة أقوالهم. ويشكّل هذا الأمر التماسا للإرادة الكبرى التي ورثوها من مولانا أمير المؤمنين في سجله الذي فتح باب الحرية  الدينية على مصراعيه. كل هذه الحقائق تبرهن بما لا يقبل الشك على أن التقية التوحيدية تقية إيجابية، ولا يمكن أن تكون كذبا بأي شكل من الأشكال. فالمؤمن الديان يخاطب أصحاب الزبور من الزبور، وأصحاب الإنجيل من إنجيلهم، وأصحاب القرآن من حقائق التنزيل والتأويل. وهذا يقتضي ضرورة تمتع المؤمن بمعارف وعلوم مستفاضة في الدين والملل والنِّحَل. وعند ذلك تكون تقيته تقية توحيدية صادقة، فيخاطب الناس بالذي هو أحسن.... وفي هذا تأكيد صريح على وجوب التمتع بصداقة كل الناس ومعاملتهم المعاملة الإنسانية اللائقة بعيدا عن التعصب والمغالاة وضيق الأفق والتسلط.
لا تتناقض التقية التوحيدية إذن مع الصدق، بل هي سياج لحمايته. فبالتقية لا يضطر الموحد إلى الصدق الوقح. بل يكون صدقه في منتهى التهذيب والرقة، وخصوصا عندما يُجابه بأسئلة تتقصّد الإحراج. وفي هذا السلوك الرفيع منتهى الكياسة واللياقة والرفعة والتمدن. إن الموحد يقصد السلام بينه وبين جميع الناس وهو لا يتدخل بشؤونهم الخاصة. ومما يزيد في قناعاته أن الحقائق اللاهوتية درجات، ولكل إنسان درجة وتميّزه في توحيده. وأن كشف الدرجة للمريد تكون بمقدار قدرته على التلقي، وإلا أصبح الكشف مضرا للاثنين الطالب والشارح.
وانطلاقا من هذه الحقائق، نرى أن صدق اللسان من أصعب الأمور تطبيقا. فهذا الصدق مرتبط إلى حد بعيد بمقدار وعي القائل به وبمعرفته. فكلما ازدادت معرفته استطاع أن يكون صادقا أكثر، وكلما ازدادت تقواه ازداد حذرا في استعمال عبراته كي لا يخرج عن الغاية التي يرجوها الصدق. فمن كان من أهل الحقيقة كان الصدق شعاره في كل شيء. وقد أطلق إمام التوحيد كلمة الصدق على الحدود والأنبياء والدعاة فعُرفوا بحروف الصدق توكيدا لقيمة هذه الملكة وانتصارا لها. 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.