spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 91
أمير البيان شكيب أرسلان في بلادنا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
المرحوم الشيخ أبو جمال نصر الدين نصر الدين طباعة ارسال لصديق
(1913 - 2011)
ودّعت قرية دالية الكرمل والطائفة الدرزية، المرحوم الشيخ أبو جمال نصر الدين نصر الدين، الذي انتقل إلى رحمته تعالى، صبيحة يوم الثلاثاء الموافق 26/7/2011، عن عمر بلغ الثامنة والتسعين عاما، حيث كان أكبر المعمّرين في القرية حتى رحيله. وكان إلى جانب ذلك، من أكابر رجال الدين في البلاد، ومن المشايخ الأتقياء، الذين كان لهم حضور وتواجد ديني عميق في كافة الأوساط، والذين اعتُبروا في مصاف رجال الدين الأوائل في المجتمع، والذين حملوا راية التوحيد والإيمان، إلى جانب شيخ الجزيرة المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف. 
ولد الشيخ أبو جمال في قرية دالية الكرمل الهادئة، في بيت ديني عريق،بيت ذاع صيت صاحبه في البلاد، وكان حجة، وكان مرجعا، وكان من الأقطاب، هو جده المرحوم الشيخ علي نصر الدين (1845 - 1940) الذي كان في عصره من أهم الشخصيات الدينية في المنطقة، والذي تخرّج من البياضة الزاهرة، عام 1910 بعد أن قضى سنتين في رحابها، في الحفظ والدرس والتعمّق الروحاني. ولما عاد إلى القرية، تسلّم الخلوة وإدارتها، وكان متمتعا بثقافة عالية وعلم غزير، وكان يهدي ويرشد ويعظ. وفي هذا الجو الروحاني، نشأ الشيخ أبو جمال، ينهل من علوم الدين، متأدبا متقيّدا بالأصول التوحيدية، يقف إلى جانب جده ووالده المرحوم الديان الشيخ  أبو يوسف حسين مع إخوته، وهم متضلعون بالأسرار وبالتفاسير وبالمكنونات، يستقبلون ضيوفهم، ويشدّون أزر رجال الدين في كل مكان، ويحملون لواءه إلى جانب المشايخ الأتقياء، من باقي العائلات في قرية دالية الكرمل وخارجها.
ارتبط المرحوم بالأرض، واشتغل فيها وتعامل معها، واستخرج منها قوت يومه، وتبارك بالتداول معها، وبالحفاظ عليها وبالاشتغال فيها. وحمل الفأس وحمل الكتاب، ووقف بين جموع السكان، واثقا من نفسه، مطلعا على مكنونات دينه، مسايرا للجميع محبا للغير، وهاديا ودليلا وموضحا. وهكذا وضع نصب عينيه، خدمة الدين وأهل الدين، والسهر والمواظبة على شؤون الدين. ومَن تعرّف على أمور الدين منذ نعومة أظفاره، فقد جُبلت الأحاسيس الدينية بدمه، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من كيانه، فلا عجب أن يقترن اسمه باسم الدين والحفظ والتقوى خلال عشرات السنوات. وبكونه مرافقا لشيخ الجزيرة، فقد تسنّى له التجوال في الأماكن الدرزية المختلفة، والسهر في الخلوات، والمذاكرة مع الإخوان، والإصغاء إلى الأناشيد الدينية بحضور أهل الدين. وزاد ذلك من ثقافته، وزاد من تبحّره، وأصبح مرجعا، وغدا علما، وبرز شيخا تقيا، يُذكر ويُعتمد عليه، واعتبر من طليعة رجال الدين، يقرا ويتبحر ويدرس ويشرح ويفسر، حتى أيامه الأخيرة وكان مرجعا وكان مصدر ثقة وركنا من الأركان.
وقد كان يوم وفاته يوما مشهودا في قرية دالية الكرمل وفي حياة الطائفة الدرزية في البلاد فقد اجتمعت الحشود من كافة القرى الدرزية في بيت دالية الكرمل وهي تضم رؤساء ومشايخ وقادة وزعماء الطائفة الدرزية ووجهائها وكافة الشخصيات المميزة فيها إلى جانب رجال الدين والشباب من كافة القرى في الجليل والجولان والكرمل.وغص بيت دالية الكرمل بالمشيعين وألقيت كلمات عديدة قبل تشييع الجثمان من الذين أبوا إلا أن يذكروا مناقب الشيخ وفضائله في هذا اليوم المميز.وصدحت في المكان أصوات الندب والحزن على رحيل الفقيد بشكل مؤثر وعميق. وعندما حان موعد الصلاة على الجثمان قام المئات بوداعه الوداع الأخير وكنت ترى أقطاب الطائفة الدرزية يمرون بجانب الجثمان المسجى ويقبلون عمامة الفقيد بخشوع وتقوى طالبين له الرحمة من الله والدموع تترقرق في عيونهم.وبعد الصلاة ألقيت عدة كلمات تأبين مؤثرة. وألقى فضيلة الشيخ موفق طريف الكلمة التالية:
بسم الله الرحمن الرحيم، كل نفس ذائقة الموت، فسبحان الدائم الباقي الحي الذي لا يموت، الحمد لله على ائتمان ما أودع، وله الشكر على إيفاء ما استرد وأرجع، قدّر كأس المنون على كافة بريته، وتفرّد بالبقاء والدوام بسلطان وحدانيته، إنه على كل شيء قدير، وإليه المرجع والمصير، سبحانه وجل مجده وسلطانه. حضرات المشيعين الأفاضل - أيها الشيوخ والإخوة والجمع الكريم:
لقد شاء القدر بأن نقف اليوم معا موقف الخشوع والإجلال أمام رهبة الموت، الذي لا بدّ منه ولا عنه فوت، في هذا الموكب المهيب لنودّع جثمان الراحل الجليل، والشيخ الطاهر الفضيل، الديّان التقي، الفاضل النقي، فضيلة المغفور له المرحوم الشيخ أبو جمال نصر الدين حسين علي نصر الدين تغمّده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنّته.
لقد انحدر الفقيد الراحل الشيخ أبو جمال نصر الدين من عائلة عريقة الحسب والنسب لها مكانتها الدينية والاجتماعية منذ القدم ولم تزل، لقد عُرف المرحوم من خلال فترة حياته التي قضاها على الإيمان والطاعة بأنه ترعرع وتربّى منذ بدايته تربية دينية صالحة بين أظهر أسلافه الطهرة المرحومين، وتغذّى من العلم الروحاني غذاء المعرفة والأدب والدين، فكان خير خلف لخير سلف رحمه الله.
كان يتحلى بمكارم الأخلاق وحميد الصفات والمزايا، ويتميّز بالوقار والطهر وجميل الطباع والسجايا، وكان صاحب الديانة المستقيمة والسدق والكرم والتواضع، وراعي التقى والعقل والحلم والرأي السديد، وكان ذا القلب الطيّب والنوايا الحسنة والصدر المنشرح، له مواقف مشرّفة بالجرأة والنطق بالحق، وكان عنصرا فعّالا لنصرة الحق والدين وأهل الدين، وذا الأيادي البيضاء والعمل المبرور، وكان شخصا مثاليا دينيا واجتماعيا، قائما بفروض الدين، محافظا على الواجبات، مواظبا على شروط العبادات، مشاركا للعموم بالمعاملات اللازمة والمناسبات، ولقد فقدت الطائفة بوفاته عَلما من أعلامها، وركنا من أركانها، وعينا ساطعا من أعيانها، فإذا كان موت الأعيان من تعس الزمان فإن خسارتنا بالمرحوم الشيخ أبو جمال فادحة للطائفة والمجتمع الديني عامة.
 
كما كان المرحوم الشيخ أبو جمال رفيق درب المرحوم سيدنا الشيخ أبو يوسف أمين طريف ونعم الرفيق والصديق الحميم، وكان المرحوم سيدنا الشيخ يعتمد عليه في كثير من القضايا الدينية والدنيوية وإصلاح ذات البين ونشر الإلفة والمحبة بين الإخوان.
ولقد عاش المرحوم حياته على الطاعة وأعمال البِر والتقوى والأمانة، ورحل مُزوّدًا بذخائر التوحيد والصلاح، وأنجب أنجالا صالحين ومحترمين، رحمه الله وأبقاكم لنا أجمعين.
مشايخنا الأجلاء والمشيعين الأكارم صباح هذا اليوم كان لنا حديث مع مشايخنا في لبنان وعلى رأسهم فضيلة سيدنا الشيخ أبو محمد جواد ولي الدين نرفع باسمهم لحضراتكم أسمى آيات العزاء ويتذكّرون أفضال ومواقف المرحوم وأفضال الأهل هنا ويعزّون الجميع.
وأخيرا فإني أتقدّم بأحرّ التعازي وأخلص المشاعر مع أجمل المشاطرة والمواساة من أنجال المرحوم المحترمين ومن شقيق المرحوم الشيخ أبو علي صالح متمنيا له الصحة والعافية ومن كافة عائلة نصر الدين الأكرمين في دالية الكرمل وكسرى وكل مكان، وأسأله تعالى العوض بسلامة حضراتكم جميعا، وأن يبقى الخلف لمن سلف، ويلهمنا وإياكم جميعا جميل الصبر والسلوان، إنّه رءوف منّان، متطاول بالمانّة والإحسان، للراحل الكريم فقيدنا العزيز الشيخ أبو جمال جزيل الرحمة والرضوان، ولكم من بعده طول البقاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.الله يرحمه."
وقام فضيلة الشيخ موفق طريف مصاحبا بالمشايخ الأفاضل بتلبيس العباءة لنجل المرحوم ووريثه، الشيخ أبو صالح عارف، أطال الله في عمره الذي تولى ساسة الخلوة بعد والده والذي يسير على نفس النهج منذ سنوات طويلة.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.