spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 108
في ذكرى فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
الدروز بين إبراهيم باشا الأول وإبراهيم باشا الثاني طباعة ارسال لصديق
بقلم د. سلمان حمود فلاح

لقد عانى الدروز كثيرا أثناء الحكم العثماني، حيث طوردوا من قِبل العثمانيين، وفي نفس الوقت من قِبل أعداء خارجيين. كل ذلك بالرغم من أن الدروز لم يتعرّضوا في حياتهم لأي إنسان، ولم يعتدوا ولم يقوموا بغزوات أو بحملات احتلال وتوسع، وإنما كان همّمهم هو الدفاع عن أنفسهم، والذود عن كرامتهم، ومنع أي تدخل أجنبي في شؤونهم. وهكذا كانت مسيرتهم خلال ألف سنة. وأثناء وجودهم تحت الحكم العثماني، تعرّضوا مرتين لغزاة ومعتدين من أطمع وأشرس ما وُجد في نطاق الدولة العثمانية، التي عُرفت ببطشها وشدتها. وكلاهما اسمه إبراهيم، وكلاهما جاء من مصر، وكلاهما أثقل على الدروز وعاملهم بشراسة.
 كان إبراهيم الأول واليا على مصر عام 1584، وهذه السنة التي وقع فيها ما سمي بحادثة عكّار، وهي الحادثة التي كانت تنقل فيها قافلة الأموال السلطانية إلى اسطنبول. وعند وصول القافلة إلى منطقة جون عكار، تعرض لها قطّاع طرق، وهاجموا جنود الإنكشارية الذين كانوا يرافقونها، وسلبوا الأموال ونهبوها. وقد حصل ذلك في مقاطعة ابن سيفا، شمالي لبنان لكن ابن سيفا والوالي العثماني والسلطان، اتهموا الأمير قرقماش بالمسؤولية عن هذا الحدث الذي وقع خارج حدود إمارته. وقد أوعز السلطان العثماني إلى إبراهيم باشا والي مصر، التوجّه على رأس جيش كبير إلى لبنان لمعاقبة الدروز. ولقد حاول أعيان الدروز شرح براءة الدروز من هذا الحدث ونفي التهمة عنهم، فلجأ الوزير العثماني إلى سياسة المكر والخداع، للإيقاع بالدروز، وتذكر المصادر أن إبراهيم باشا، دعا أعيان الدروز ووجهاءهم إلى اجتماع في منطقة عين صوفر، وقد اجتمع في المنطقة أكثر من 600 من وجهاء ومشايخ وأعيان الطائفة الدرزية، وعندما خيّم عليهم الظلام، أطبق جنود إبراهيم باشا على المجتمعين، وقتلوا غالبيتهم. وكان قد لقي الأمير قرقماش حتفه إثر تلك الحادثة في مغارة شقيف تيرون، وهكذا حاول العثمانيون القضاء على زعامة الدروز، إلا أن ذلك لم يتمّ لهم، واستطاع الدروز، بعونه تعالى، الانطلاق من جديد واستعادة قوتهم، وخاصة في عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني، ابن الأمير قرقماش بعد عزل إبراهيم باشا.
ولم ينجُ الدروز مرة أخرى من بطش إبراهيم باشا آخر، هو ابن محمد علي باشا، الذي قام في حملة ضد الإمبراطورية العثمانية عام 1833 جائحا كل بلاد فلسطين وسوريا ولبنان، حتى وصل إلى الأناضول، وأصبح الحاكم الفعلي للبلاد. لكن إبراهيم باشا لم يتوقف عند جبل الدروز، وإنما حاول بعد ذلك أن يجرّد السكان من السلاح، وأن يجنّد شبابهم، وأن يفرض عليهم الضرائب الباهظة، وان يستولي على أرزاقهم وأملاكهم لخدمة جيشه وسلطاته. وقد ثار المواطنون الدروز ضد إبراهيم باشا، ورفضوا الانصياع لأوامره وتعليماته، فنشبت ثورة ضد محمد علي باشا في جوار البحر الميت أولا، ثم امتدت إلى جبل نابلس، وانتقلت إلى صفد والخليل، واستمرت إلى جبل الدروز. وقد جرّد إبراهيم باشا عدة حملات ضد الدروز في لبنان وفي الجبل، لكن بعونه تعالى استطاع الدروز أن يتغلبوا على كافة الحملات التي كانت مجهزة بالمدافع، وكل أنواع العتاد، والتي بلغ عدد جنودها أضعاف أضعاف المقاتلين الدروز. ولم يستطع إبراهيم باشا احتلال الجبل. وفي نهاية المطاف، لجأ إبراهيم باشا بعد أن استعمل كل أنواع الأسلحة وأساليب القتال إلى طريقة إجرامية لا يقبلها التاريخ، وهي تسميم موارد المياه في الجبل، الذي يقع على كتف الصحراء. وفي هذه الحالة اضطر الدروز إلى التفاوض، كي يحافظوا على نسائهم وأطفالهم من العطش، وجرت مفاوضات مع إبراهيم باشا، وتم إيقاف الثورة ووقف القتال، وفرض إبراهيم باشا بعض الشروط بشكل رمزي فقط، وانسحب عائدا إلى بلاده مصر.
نرى أن المواطنين الدروز، استطاعوا الصمود أمام أكبر الغزاة والفاتحين، واستطاعوا المقاومة، واستطاعوا ترسيخ جذورهم في الأرض، وذلك لأنهم كانوا دائما على حق، وأنهم تمسكوا بمبادئهم وفضائلهم وأخلاقهم، ولم يعتدوا على أحد، وإنما كان كل همهم المحافظة على وجودهم وكيانهم.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.