spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 80
المجاهد شكيب وهاب
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 153
العدد 152
العدد 151
العدد 150
العدد 149


 
كلمة العدد: كي لا نفقد الكنوز مرّة أخرى طباعة ارسال لصديق
كي لا نفقد الكنوز مرّة أخرى
يحكى أن الشيخ التقي, المرحوم نجيب فرهود من الرامة, والشيخ الطاهر العلامة, المرحوم أبو محمد قاسم نفاع من بيت جن, كانا عائدين من واجب تعزية, وهما في طريقهما إلى بيتيهما, فحصل بينهما خلاف في الرأي, تحوّل إلى مشادة كلامية ونقاش وإلى بعض التنافر. وافترقا في الموقع الذي ينفصلان فيه ليعود كل واحد إلى قريته. وبعد أن سار الشيخ نجيب مسافة ما في طريقه إلى بيته, أخذ يلوم نفسه ويحاسبها, لأنه لم يعتذر لزميله الشيخ, فكرّ عائدا متوجها إلى قرية بيت جن, ليسبق رفيقه قبل أن يصل للبيت ويطلب صفو خاطره, فكدّ في المسير, وإذا به يشاهد زميله الشيخ عائدا, هو كذلك باتجاه قرية الرامة. ولما التقيا انكب الواحد على الآخر يقبلان الأيدي, طالبين كل واحد من زميله سماحه وصفو خاطره عليه, معلنين أنهما من المستحيل أن ينام الواحد منهما أو يهدأ له بال, إلاّ بعد أن يغفر له زميله.

هذه حال الصفوة المختارة من مشايخنا, وهم والحمد لله كُثر, وما جرى هنا يعطينا درساً وعبرة ونموذجا ومثالاً وقدوة في الأخلاق, وفي حساب النفس, وفي التفكير مجددا, في كل ما نفعله ونعمله ونتصرّف به واحدنا مع الآخر أو الآخرين. والتعامل بين الناس هو الأساس وهو النواة, لبناء المجتمع ولتكوين هيكل إنساني جماعي متين. وقد خُلق الإنسان ليعيش في الجماعة, والمعيشة مع الجماعة لها متطلبات, ولها قوانين, ولها أُطر وحدود, يجب أن تراعى, وأن ينتبه المرء إليها, وأن يتقيّد بها, وأن يتمسّك بأهدابها, ويسير بموجبها. وفي حياتنا العملية, نستطيع أن نروّض أنفسنا, وأن نعوِّد أطفالنا وأبناءنا وصغارنا, على المسير بموجب قوانين وأطر وأركان, فمثلاًَ لماذا نقف أمام الإشارة الضوئية الحمراء, ونتقيّد بالتعليمات, ونضبط أنفسنا, في حين يغلب علينا الجنوح والهيجان وعدم الانضباط في أمور أخرى, لا تقلّ أهمية عن خطر الاصطدام مع سيارة أو مركبة أخرى. ولماذا نشدِّد على تصفيف شعرنا, وتفقُّد أجزاء ملابسنا, وربط أحذيتنا, في حين نطلق لألسنتنا العنان, أو نترك أقلامنا وأفكارنا تصول وتجول بدون قيد أو رادع؟ إن من يستطيع أن يضبط هذا, يستطيع أن يضبط ذاك. كل ما في الأمر, أنه علينا أن نقتنع بما يجب أن نفعله, وأن نعوّد أنفسنا على فعله, ليس خوفا من عقاب, أو رهبة من سلطة, أو هروبا من سطوة, وإنما نفعل, ذلك نتيجة لاقتناع ذاتي عميق, أن هذا هو ما يجب فعله, لأنه مفيد لنا ولغيرنا, ومقبول علينا وعلى غيرنا.

إن التقيّد بالأخلاق والآداب, والالتزام بالسلوك الحسن, وحسن المعاشرة, هذه الخصال هي التي تجعل للحياة طعما وبهجة ورونقا وهدف. فحياة الفوضى وشريعة الغاب والتفكك الأسري والاجتماعي, تجعل الحياة أمرا عسيرا شاقا, يفقد كل بهجة وكل طعم وكل لذة, ونحن أبناء الطائفة الدرزية, لدينا كل الإمكانيات والوسائل والمُقدّرات, لأن نكون جماعة مميزة, تتقيّد بتعاليم مذهبها, وتنتهج السلوك الحسن, وتتصرّف بحكمة وتعقل ولباقة وليونة, ولسان حالها يقول: إني أريد أن أعيش, إلى جانب أخي الذي هو كذلك يريد أن يعيش" وذلك في نطاق مجتمع يصبو دائما, إلى التعددية, وإلى المساواة, وإلى منح الفرص لجميع العاملين فيه.

وفي هذه الأيام نحتفل بعيد نبي الله شعيب عليه السلام, هذا النبي الذي كان من خصاله ومن أعماله, أنه هو الذي خلق وأوجد الأنظمة والقوانين, للتغلب على الفوضى في صفوف بني إسرائيل، شعب الله المختار حسب التوراة. لقد لاحظ سيدنا شعيب (ع) من خلال قُربه من النبي موسى عليه السلام, أن النبي موسى (ع) فقد السيطرة على شعبه, الذي خرج من العبودية من مصر بعد مئات السنين, ولم يعرف كيف يتذوّق الحرّية, فبطل النظام, وكادت بعض الأوساط أن تصل إلى درجة الكفر, وكان من عادة النبي موسى عليه السلام أن يعالج كل موضوع بنفسه, فلقّنه نبي الله شعيب عليه السلام, كيف يمكن أن يحوّل الصلاحيات ويخوّلها لرؤساء أقسام, وهؤلاء يحوّلونها لمسؤولين تحتهم وهكذا. وكانت هذه أول نظرية في الإدارة الحديثة برزت للعالم وتمّ تنفيذها, وهي ما زالت سارية المفعول, منذ آلاف السنين وحتى أيامنا. وقد قام على أسسها ومبادئها, نظام الإدارة الحديث, وبفضله تستطيع الدول أن تقوم بواجباتها اتجاه المواطنين, وبفضله تستطيع الشركات الكبيرة والبنوك والمؤسسات التجارية وغيرها, أن تؤدي دورها وأن تفي بالتزاماتها, وتنفذ ما هو مُلقى عليها. ونحن شديدو الفخر والاعتزاز, أننا وبواسطة نبيّنا وهادينا شعيب عليه السلام, استطعنا أن نُسدي خدمة كبيرة للعالم, ما زال يستفيد منها حتى أيامنا هذه.
وفي القاهرة المعزية, وفي مثل هذه الأيام قبل ألف عام, حدثت ثورة مذهبية بعيدة المدى, انطلقت من جامع الحاكم بأمر الله, إلى الأزهر الشريف, ومنها إلى جميع أرجاء العالم, معلنة مذهب التوحيد, المبني على الإيمان العميق بالله, سبحانه وتعالى والتعبُّد العقلاني المنطقي, والتعامل الحقّاني بين البشر. وفي القاهرة, جلس الإمام العظيم يدير دفة الأمور, ويبعث بالتعليمات, ويشيد النظام, ولا يترك لا كبيرة ولا صغيرة إلاّ ويبت فيها, بنفس المنطق وبنفس النظام الذي أوجده قبل ألفي سنة, منذ ذلك الوقت سيدنا شعيب عليه السلام. وعندما تقدّمت السنون, وانتقلت الأغلبية التوحيدية من مصر إلى سوريا الكبرى, ناب عن وظيفة الإمام الأعظم, وظيفة شيخ العقل أو الرئاسة الروحية, التي حافظت خلال ألف سنة في سوريا ولبنان وبلاد فلسطين, على التواجد الدرزي, حيّا نابضا, شامخاً, غزيرا بالإيمان والنشاط والحركة والعقيدة الثابتة, وقد ناب عن شيخ العقل في القرى المختلفة, وفي المجالس الدينية, وفي الخلوات, السُّيّاس والأئمة, الذين أوكلت لهم مهام مسيرة الحركة المذهبية التوحيدية, وعليهم اعتمد المسؤولون الذين يمثلون الإمام الأعظم, في تسيير الشعائر الدينية, وفي تشجيع الناس على القيام بالفروض والواجبات الدينية اللازمة, حسب الأصول والتعاليم المتبعة في مذهب التوحيد.

إذن كل إمام وكل سائس خلوة, وكل معتَمد في كل تواجد درزي, يمثل شيخ العقل, أو الرئيس الروحي, اللذين يمثلان الإمام الأعظم, والنور الذي يسطع من السائس, هو جزء من النور الذي يسطع من الإمام الأعظم. وفي السابق, وبموجب ما وصل إلينا من المعلومات, كان كافة السياس والأئمة رجال دين,مشايخ أتقياء قاموا بواجباتهم على أكمل وجه, وأحسن حال, وأصبحوا بأعمالهم وأقوالهم وتصرفاتهم وتعاليمهم, مناراً وهداية ومثلا أعلى, لكافة المؤمنين والرعايا الدرزية المختلفة. وقد برزت من بين هؤلاء شخصيات تاريخية فذة, استطاعت أن ترسِّخ جذور التوحيد, وأن تبث في نفوس المؤمنين, كل عناصر الخير والتعاون والتمسُّك بالأهداب والأصول والأركان. وبفضل رعاية الله سبحانه وتعالى, وبفضل أئمة وسياس الخلوات على مر السنين, وفي التجمعات الدرزية المختلفة, فُتحت الخلوات في مواعيدها, وجاء ذكر الله سبحانه وتعالى, على ألسنة المتواجدين, وصدحت أصوات المنشدين, تدعو إلى التقوى والإيمان, وصدرت التعليمات والأوامر, تنهي عن المنكر وتدعو إلى المعروف, وتحث أبناء الرعية, على التقيد بالأصول والتعليمات. وبفضل المشايخ الكرام, أصحاب المسؤولية, ظل مذهب التوحيد نقيا صافيا, يلمع ويتلألأ, وكأنه صادر اليوم من ربوع القاهرة المعزية, لينشر على الملأ, وبين الناس. وقد ساعد على نقاوة وصفاء المذهب, تواجد الدروز في أماكن منغلقة نائية عن مراكز السكن للأمم والشعوب التي يعيش الدروز في كنفها لذلك استطاع المواطنون الدروز أن يحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم ومراجعهم. ومن يطلع على تاريخ الموحدين الدروز في الألف سنة الأخيرة, يجد أن الله سبحانه وتعالى, يسر لكل وظيفة من الوظائف المذهبية, شخصية دينية مرموقة ورفيعة المستوى, كانت مركز المجتمع في القرية, وهي التي تبت وتفصل في الأمور المذهبية, وفي المعاملات الاجتماعية, وفي كل خلاف او سوء تفاهم ينتج عند أفراد الرعية, فقد كانت هذه الشخصيات تستمد صلاحياتها وقوتها, من الجهاز الديني المركزي, الخاضع للرئاسة الروحية, وهو امتداد للإمامة العظمى.

أما اليوم, وقد انفتح المجتمع الدرزي, واختلط أبناؤه, شاءوا أم أبوا, في المجتمعات المجاورة, وانصهروا في المجتمع الإنساني الأكبر, وتحمّلوا غزو الأفكار والتعاليم والعادات الأجنبية. وشيئا فشيئا, برز الصراع بين الأصيل والدخيل, وبين التطور والتقدم التكنولوجي والتقني, وبين طغيان الثقافة الغربية, ومظاهرها السيئة, ونتائجها السلبية, من انفلات وفوضى وخلاعة وأمور أخرى غير مستحبة, هذا إلى جانب صفاتها الحميدة, وإنجازاتها الكبرى, التي تسهِّل على المواطن الدرزي هذه الحياة. ونحن نشاهد بالإعجاب والتقدير, كيف يتشبث المجتمع الدرزي بأهداب الفضيلة والتقوى والطيّبات. وكيف يحارب الرذيلة والانحراف والخبيثات. وكل واحد منا يعيش بداخله, وفي أسرته, وفي قريته, وفي مجتمعه, صراعاً حادا بين القديم والجديد، بين الأخلاق والانزلاق، بين الفضائل والمزايا والخصال المتوارثة, وبين البدع والدخائل والغرائب المستحدَثة, ونحن ننظر بفخر واعتزاز, إلى مئات العائلات والأسر الدرزية, التي ما زالت تحافظ على رأسها فوق الماء، ولم تبتلعها المدنية بعد، ولم تستحوذ عليها كل الانحرافات والإنجرافات الحديثة. وكل ما نرجوه من الله سبحانه وتعالى, هو أن يحمينا من فقدان قيَمنا ومبادئنا, وأن نظل فئة مميّزة, لها أصولها وحقيقتها ورسالتها الشريفة الطاهرة النقية, ولا يضيرنا أن نُتهم عند البعض, بالتقصير والتخلف والرجعية. فالتقدم لا يعني الإباحية, والتطور لا يعني الفوضى, والتمدّن لا يعني فقدان الأخلاق.

لقد كانت في السابق العشيرة الدرزية, مليئة برجال الدين, وبالأسر المحافظة التقليدية الشريفة ، وكان يقف في رأس المجتمع الدرزي في القرى المختلفة, رجالات دين وقيادة, يجسّدون بأعمالهم وتصرفاتهم, المثل العليا للطائفة الدرزية, وبذلك يحدّدون المقاييس والفرائض التي يعتمد عليها المجتمع الدرزي. ومع الوقت, قلّ عدد المتدينين والملتزمين. وهذا المسار إن لم يتوقف, فإنه يهددنا ويشكل خطرا علينا وعلى كياننا, ففي السابق, كانت كلمة أئمة الخلوات مسموعة ومقدسة, وكأنها أتت من البياضة, أو من قِبل الأئمة والمشايخ الثقات. واليوم يدّعي مجتمعنا الديمقراطية, لكننا منزلقون في هاوية كبيرة, ويكاد مركبنا أن يتكسّر ويتحطم. وكل ما هو مطلوب منا, هو أن ننتبه إلى أنفسنا, وأن يقوم كل واحد منا بواجبه, فعلى المسئول الديني أن يكون نقيا أديبا لطيفا نشيطاً, وعلى المواطن العادي, أن يحترم المسئولين في مجتمعه ويطيعهم, ويتعاون معهم, لئلا يصيبنا, ما أصاب ذلك الشعب الأسطوري الأسيوي القديم, فقد روت أسطورة من الشرق الأقصى, أن الله سبحانه وتعالى, وزّع العقل والحكمة على جميع الناس بالتساوي, لكنهم أساءوا التصرف, ولم يحافظوا على هذه النعم, ولم يصونوها, واستعملوها بعكس ما كان يجب أن يكون. فغضب الله سبحانه وتعالى, ونزع الحكمة من غالبية السكان, ووزّعها على صفوة مختارة, ترعى شؤون الناس, وتدير أمورهم. والخطر هو أن لا تصون كل هذه الصفوة المختارة, الكنوز التي أودعت في أياديها, وعليها أن تعمل كل شيء, لئلا تفقد, هي الأخرى, هذه الكنوز من جديد...

وكل عام والجميع بخير...


سميح ناطور

دالية الكرمل
نيسان 2006
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2020 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.