spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 129
الأمير طلال أرسلان - الأمير الذي اخترق جدار الصوت والصمت
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
شخصية العدد: الشيخ أبو علي يوسف بردويل طباعة ارسال لصديق
1762 - 1828
بقلم الأستاذ الشيخ علي المن
أحد كبار المشايخ في لبنان، وأحد شيوخ العقل البارزين في عصر بشير الشهابي. ولد  في بلدة رأس المتن، وهو من عائلة أبو رسلان، ويعود نسبه إلى الأمير منذر أرسلان التنوخي. كان شيخا تقيا فاضلا ورعا، كما كان واعظا مرشدا وعالما عارفا، وكان مرجعا من المراجع الدينية الموثوق بها، وصاحب مكانة رفيعة بين قومه، حيث كان يعتصم بالصبر، ويتسلح بالأناة والجلد، فقد تمسك بالإيمان والتقوى، وأحسن في توكله على الله وتسليمه بقضائه سبحانه وتعالى. تفرغ لحفظ المعلوم الشريف فأجاده وتشبث به، وعمل بموجبه، بتعقل ودراية وضمير مرتاح. وقد تم تعيينه شيخا للعقل، فكان يتنقل دائما لتفقد شؤون الناس في منطقته، وكان على اتصال بالمراجع الأخرى، وبكافة المصادر المتعلقة بالحكم، للتباحث معهم في إدارة الأمور. وكان في عهده أكثر من شيخ عقل، حيث تألف هناك مجلس للمشايخ، باشتراك الشيخ يوسف الحلبي، والشيخ ناصر الدين دويك، والشيخ يوسف صفدي، والشيخ يوسف البردويل، وكان أكبرهم سنا، الشيخ شرف الدين العظيمي، الذي عُين رئيسا لهذا المجلس.
وقد أقام فترة متعبدا في خلوة الشقيف، وكذلك في خلوة الرويسة، التي تقع في نهاية رأس المتن، وتشرف على مناطق خلدة والبحر المتوسط وعاليه وبحمدون، كما قام ببناء خلوة عُرفت باسمه في وسط بلدة رأس المتن، كانت تتألف من طابقين، الطابق الأعلى للسهر والعبادة للمشايخ الأجاويد، والطابق الأسفل لإيواء الأغراب والمتسولين، الذين كانوا يأتون إلى رأس المتن. وكان أهل القرية يقولون لأي غريب :"ما إلك إلا خلوة  بيت أبو رسلان". وقد هُدمت هذه الخلوة مؤخرا، وأقيمت على أنقاضها خلوة جديدة كُتب عليها " خلوة الشيخ أبو علي بردويل أبو رسلان".وقد عاش الشيخ أبو علي يوسف بردويل فترة في خلوات البياضة الزاهرة، وكان شيخ المشايخ فيها.
عاش الشيخ يوسف بردويل الشطر الأكبر من حياته في حكم بشير الشهابي الثاني، وعاصر كافة الأحداث المصيرية، وسعى بعد تسلمه منصب مشيخة العقل، أكثر من عشرين سنة بتدعيم هيبة الطائفة الدرزية ومكانتها. وقد حظي بمكانة مرموقة في تلك الفترة،  مما أثار ضده الحساد والطامعين.  وكان الشيخ يوسف حريصا على الحفاظ على حقوق أبناء طائفته وأملاكهم، وقد لاحظ أن بشير الشهابي، كان يعمل بطريقة منظمة للاستيلاء على أملاك الإقطاعيين الدروز وتجريدهم من ثروتهم. فأثرت هذه الأسباب على الشيخ وجعلته في مقدمة معارضي بشير الشهابي، ولم يرضِ لبني قومه سياسة الحاكم المستبد، فثار وأبى أن يوافق على تحويل الدروز عن دينهم، ووقف إلى جانب الشيخ بشير جنبلاط  في صراعه مع بشير الشهابي. واستطاع بشير الشهابي القضاء على الشيخ بشير جنبلاط، فاستدعى الشيخ يوسف بردويل إلى القصر وأحضره الجنود مكبلا بالسلاسل مع إخوته، ولدى مثولهم أمام بشير الشهابي، أمر هذا بجلد الأخ حمود بالعصي، حتى تناثر لحمه ومات. ثم التفت إلى إخوته وسألهم من أنتم؟ فأجابوه نحن إخوة الشيخ يوسف، فقال لهم سوف أعفو عنكم بسبب هذه العمامة، وأشار إلى الشيخ البردويل، فانتفض الشيخ يوسف ورفع العمامة عن رأسه ووضعها جانبا، وقال متحديا الأمير :" يا بشير ها أنا ذا أمامك بدون العمامة، فافعل ما تشاء، فالكرامة ليست للعمامة" فاغتاظ الأمير بشير من جرأة الشيخ وصلابته، وطلب من السجان أن يلقي به في السجن، لينفذ فيه حكم الإعدام في اليوم التالي. وأخذ الشيخ يتلو صلواته داخل السجن موكلا أمره إلى المولى، وكان ينشد قصيدة روحانية مليئة بالاعتماد على الأقطاب والأركان. وما كاد الشيخ يوسف ينتهي من إنشاد القصيدة، حتى استجاب الله عز وجل لمناجاته، فانفكت قيود الحديد عن يديه، وسقطت على الأرض، وحدثت في تلك الآونة هزة أرضية، رجّت منها كل أركان القصر. وطلب الأمير بشير الشهابي في اليوم التالي تنفيذ حكم الإعدام بالشيخ البردويل. ولما دنا السياف من الشيخ الوقور، ذي اللحية البيضاء، رفع يده مع السيف ليسلطه على رقبته، لكنه شعر أن يده تجمدت، ولا تسعفه، فاضطرب السياف واعتذر للأمير على فشله وارتباكه. غضب بشير الشهابي، وظن أن هناك خيانة، وأن الشيخ استمال السياف بالرشوة، واستل سيفه من غمده وزمجر قائلا :" بيدي وسيفي هذا سأقطع رأسه، فناداه الشيخ وقال: "يا أمير سيفك كبير لكن سيف الله أكبر". وتجمّدت يد الأمير، وفشل في تنفيذ حكم الإعدام، وأدرك أن هناك سرا مقدسا منعه من القضاء على الشيخ الجليل، ذي الكرامات، فاستخلص العبرة، وعدل عن رأيه، وقرر العفو عنه قائلا :" يا شيخ يوسف لا ريب أنك من أولياء الله الصالحين، وأنا قررت العفو عنك، وأريدك أن تبقى عندي في قصر بيت الدين للتبرك منك، فاطلب ما تشاء". لكن الشيخ الزاهد لم يرغب بالقصور، وأراد أن ينصرف للعبادة والصلاة، وأجاب الأمير أنا لا أسكن في أملاك الدولة، ولا أتناول طعاما ما لم أكن قد حصلت عليه بتعبي وجهدي. وتدخل في الأمر الشيخ حسين حمادة الذي دعا الشيخ البردويل لضيافته في بعقلين، على اعتبار أن يقوم بزيارة الأمير بشير مرة في الأسبوع. وانتقل الشيخ يوسف بردويل إلى بعقلين في شبه إقامة جبرية، وظل هناك خمس سنوات حتى وافته المنية. وكان كلما وصل الشيخ إلى أول الدرج، يقوم الأمير بشير الشهابي  ويترك مجلسه ويهبط لملاقاته احتراما له وتقديرا. وقد استهجن رجال الإكليروس المسيحيون ذلك، وضغطوا على الأمير بشير ألا يفعل هذا وفي الأسبوع القادم حضر الشيخ وما كادت عصاه تطرق الأرض حتى هب الأمير لا شعوريا منه وتوجّه لملاقاته والترحيب به كالعادة، فسأله الحضور لماذا تراجع عن وعده. أجابهم لست أدري ما يحدث لي مع هذا الشيخ إن بداخله سرا ربانيا فرض علي بالأمس العفو عنه واليوم أمرني لملاقاته والاحتفاء به.    
 عاش الشيخ يوسف سنواته الأخيرة في بعقلين وقضى معظمها منفردا زاهدا مثابرا على تلاوة الصلوات داخل صومعة صخرية تتسع لشخص واحد فقط  تتربع على كتف حرج من الأشجار البرية يفصلها الوادي عن بلدة دير القمر. وليس بعيدا عنها تقع خلوة رأس النحل التي قضى فيها آخر ايامه، وظل هناك وحيدا لا يؤنسه فيها جليس ولا ينهمك بشيء عن ذكر الله. وقد وافته المنية في الواحد والعشرين من شهر تشرين الأول عام 1828 فجرى له ماتم حافل وبني له ضريح قرب خلوات رأس النحل وأقيم له مزار يؤمه المؤمنون للتبارك.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.