spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 93
عائلة الأطرش فرع من آل معن المنقرضين
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
المقامات كمكان للتقاضي طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة سهام ناطور
تشكل المقامات والمزارات وأضرحة العُباد والصالحين في قرانا، ومنها مقام سيدنا الخضر عليه السلام في كفر ياسيف، إلى جانب مقامات سيدنا الخضر (ع) الأخرى في البلاد وخارجها، إلى جانب مقامات كافة الأنبياء والأولياء، مكانا له أهمية في المجتمع المحلي، وعند السكان القريبين، وله عدة وظائف، منها الصلاة، وإيفاء النذور، والمذاكرة، والتجمع، ولمّ الشمل، والتبرك، وكذلك مكان للاحتكام والتقاضي وإظهار الحقيقة. وهذا دور له أهمية قصوى في كل مجتمع قروي تقليدي، وقد كان مجتمعنا حتى اليوم من هذا النمط، ولهذا، فالدور الذي قامت به أضرحة العباد والصالحين والأنبياء ومقاماتهم، كان دورا رئيسيا هاما في قول الصدق، وفي الاعتراف بالخطأ، وفي تثبيت العدل والحق وبين الناس، من دافع العقيدة والإيمان والاعتراف بهذا الدور للأنبياء والأولياء. 
توجد في كل مجتمع، الكثير من الحالات الحياتية التي يحدث فيها سوء تفاهم بسيط خفيف، أو جريمة كبيرة، أو حالة من حالات الظلم والإجحاف، أو سرقة، أو أي اعتداء من إنسان على إنسان. وفي مثل هذه الحالات، لا تكون الحقيقة واضحة، ولا يوجد شهود ولا قرائن. وهناك يبقى المرجع الوحيد للبت في هذا الأمر، هو الرجوع إلى المقام، أو الولي الصالح والاحتكام على عتبته، من منطلق الإيمان، والاعتقاد بأن النبي أو الولي الصالح، عالم بالأسرار الخافية، وقادر على كشف الحقيقة، وإظهار الطرف المذنب، وإصدار الحكم الصحيح، وأحيانا المعاقبة، والأخذ بالثأر أو الانتقام، أو إيقاف ظلم مستمر وإجحاف جائر. وتعتمد ديناميكية هذا العمل، على إيمان شائع، عند كل المجتمعات، وفي كل الأديان، أن هناك أناس بشر، وأن هناك أنبياء وأولياء صالحون، وهبهم الله، سبحانه وتعالى، قدرات خارقة وقوى غير عادية، وإمكانيات غير مألوفة، أو غير متواجدة عند باقي البشر، وباستطاعتهم أن يبتوا في أمر مُختلَف عليه، وأن يعرفوا الحقيقة. وكثيرا ما يفقد الإنسان شيئا عزيزا عليه، وبطبيعة الحال يبحث عمّن أخذه، وغالبا يشك بإنسان آخر ويتهمه. وعندما تنقص الشهادات الدامغة والقرائن الفاصلة، يبقى في الميدان الضمير، أو اليمين، أو اللجوء إلى الولي الصالح، أو المقام أو الضريح القريب. ومن الشرط المسبق لنجاح هذه العملية، أن يؤمن الطرفان بمصداقية هذا العمل، وإذا كان الأمر كذلك، فيبقى هذا الحل المخرج الوحيد للمشكلة. عندها يلجأ المتخاصمان إلى المقام، بحضور شهود وأناس ثقات، ويقوم الطرف المتهم بالتصريح، أو بحلف اليمين، أنه بريء مما اتُّهم به. وإذا فعل ذلك بقبول صاحب الشأن، فعلى هذا أن يصدّقه، وأن يحسم الأمر، ويبرئه من هذه التهمة، ويبحث عن متهم آخر. وهذه الحالات هي حالات مألوفة في قرانا، وتُستعمل بشكل مستمر، وقد ساهمت في تنقية الأجواء في القرى، وفي حل مشاكل، وفي فض نزاعات وفي حسم أمور، كان من الممكن أن تتطور إلى أمور أصعب.
ومن الطبيعي أن العامل النفساني عند الطرف المُتَّهَم، هو عامل كبير في هذا الخصوص، فبسبب وجود مناخ ديني، وجو تقليدي سائد في القرى، لا يستطيع إنسان مذنب أو مخالِف، أن تكون له الجرأة والجسارة أن يعلن بثقة وبشكل قاطع، أنه غير مذنب وأنه بريء، وفي نفس الوقت يكون أي شك أنه كذلك. فعامل الخوف والردع والإيمان، بقوة الأنبياء والأولياء، يجعل كل إنسان يلجأ إلى هذا الأمر، فقط عندما يكون متأكدا من براءته وسلامة أعماله. فعامل الخوف والردع يخيّم على الإنسان المتهم، ويجعله يحسب حسابات كثيرة، ويخاف من طائلة العقاب، ويخاف من افتضاح أمره، فيعترف بذنبه إن كان حقا هو المذنب.
وفي كل قرية، توجد قصص كثيرة، تتعلق بحوادث كانت غامضة، وتمّ حلها وفضّها وتسويتها بهذه الطريقة، كما توجد قصص كثيرة تشير إلى أناس خلّوا بهذه المعادلة، وكانوا مذنبين وحلفوا اليمين، أو صرّحوا أمام المقام ببراءتهم، وأصابهم سخط أو ضرر أو عقوبة حالا، بعد فعلهم ذلك، مما أصبح عبرة ودرسا للآخرين.
وفي الطائفة الدرزية، يُعتبر صدق اللسان من الفرائض الأساسية المطالب بها كل موحد درزي، فالرجل أو المرأة المؤمنان، ليسا بحاجة للجوء إلى هذه الوسائل لإثبات مدى صدقهما وبراءتهما، حيث يُعتبر الإنسان المؤمن، نقيا شريفا، يفعل فقط ما يُسمح به ويتجنّب كل ما مُنع عنه، وإذا كانت هذه طريقه فهو غنيّ عن هذه الأمور.   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.