spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 105
موسوعة التوحيد الدرزية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: نبرع في قص الشجرة التي نقف عليها.. طباعة ارسال لصديق
أراد أحد المعلمين أن يمتحن طلابه، فوقف بجانب اللوح  ورسم خطا أفقيا طوله 50 سم، وطلب من تلاميذه اقتراحات، كيف يمكن ان نجعل هذا الخط اقصر. تحمّس الطلاب ورأوا أن الحل بسيط، وتقدّم كل واحد منهم إلى اللوح مقترحا حلا ما،فاقترح أحدهم أن يقص منه من اليمين، وآخر أن يقص منه من الشمال، وغيره من الوسط وغيره من الطرفين وما شابه ذلك. واستغرب الطلاب أن الأستاذ لم يقتنع بأي جواب من الأجوبة التي عرضوها، وظل هناك طالب منطو على نفسه، لا يشارك كثيرا عادة في مناقشات الصف، ولا يتقدم إلى اللوح إلا إذا طلب منه الأستاذ، فتوجّه إليه الأستاذ طالبا أن يبدي رأيه. قام هذا الطالب، ورسم فوق الخط، خطا أطول منه قائلا، إننا بهذه الطريقة نجعل ذلك الخط أقصر. طلب الأستاذ من الطلاب أن يصفقوا لهذا الطالب، قائلا إن الحكمة ليست في أن نخرّب وننقص من قيمة الآخرين، الحكمة هي أن نفعل أكثر منهم.
وها نحن اليوم في الطائفة الدرزية، يشبه أغلبنا طلاب هذا الصف. نصب كل تفكيرنا، ونجند كل طاقاتنا، ونركّز كل جهودنا، ونعتصر كل أفكارنا في موضوع واحد، هو كيف ننتقد، وكيف نمتحن، وكيف نخرب، وكيف نعطّل من برز منا، ومن بنى شيئا، ومن حاول أن يتقدم في أي مضمار في الحياة. إن كل أعمالنا اليوم تدور على مراقبة الآخرين، والدس عليهم، والتحريض على أعمالهم، ومحاولة إيجاد النواقص والعيوب في إنجازاتهم وفي أفعالهم. وقد يفعل أحدنا أكبر مشروع يخدم الطائفة، وقد يقوم غيره بإنجاز هائل، وقد يصل فرد منا بجهوده وعلمه وقدراته إلى أعلى المناصب، وبدل أن نساعد وندعم ونؤازر ونشجّع، نبدأ بعملية تحطيم ولذع وانتقاد. وقد قلنا هذا الكلام في السابق، وتطرقنا لهذا الموضوع قبل سنوات، وكنا نعتقد أننا بما أننا طائفة صغيرة ضيقة الأفق محدودة، الإمكانيات، قابعة في رؤوس الجبال، مغلقة الحدود، محاطة بالأعداء والمنافسين، مهددة بالعدوان، تعيش في بقعة ضيقة محصورة، لذلك فإن الإمكانيات لدينا قليلة، والوظائف والمراكز والإنجازات ليست كثيرة، فمن الطبيعي أن نحسد كل من يصل منا إلى إنجاز أو إلى تحقيق ما يصبو إليه لأن الدائرة ضيقة. أما إذا توسّعت وانفتحت وكثرت الإمكانيات، فلا بد أن تتغير هذه النظرة، وهذه العقلية، وهذه المعاملة، وهذا التصرف، وهذا السلوك المشين.
 واليوم، ونحن في نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، واليوم بعد أن حققنا إنجازات تاريخية واجتماعية وثقافية واقتصادية هائلة، وبعد أن أثبتنا وجودنا بين الطوائف والأمم، وبعد أن سجّل كل واحد من أبسط مواطنينا، عشرات الأختام في جواز سفره، مشيرا إلى أنه سافر ويسافر إلى دول كثيرة، وبعد أن أصبح العالم مفتوحا أمامنا، نستطيع أن نتعلم، وأن نشتغل، وأن نسكن وأن نعيش في أي مكان نريد. وبعد أن يجلس أحدنا أمام الحاسوب، ويجول ويصول في كل أنحاء العالم، وفي كل الإمكانيات والقدرات والمجالات، وبعد أن فُتحت أمام كل فرد منا كل الفرص والإمكانيات، حتى للوصول إلى أعلى المراتب والمراكز، دون قيود أو شروط،، بعد كل هذا، ما زلنا متقوقعين في الدائرة الضيقة التي عشنا فيها ونشأنا بداخلها، خلال مئات السنين. وللأسف الشديد يمكننا أن نقول، إن البطر والتخمة غيّبا صوابنا، وجعلا كل مواطن عادي يعتقد، أنه أكبر زعيم، وأكبر قائد، فزاد فينا الانقسام والانشقاق والصراع وتحطيم المجتمع من الداخل.  
وفي الماضي،كانت العائلية والأسر الكبيرة، هي الحاكمة وهي التي تدير شؤوننا، وكان هناك منطق ونظام في كل عمل يقوم به الزعيم أو المختار أو المسئول. وكان هناك نظام دارج متفق عليه خلال سنوات، يسير بموجبه هؤلاء الزعماء والقادة، وهكذا عاشت وصمدت الطائفة الدرزية خلال مئات السنين، بسبب وجود قادة حكماء استعانوا بالخبرات والمشاورات والإمكانيات الكبيرة المتوفرة في عائلاتهم، وفي مجالسهم، وفي دواوينهم ومضافاتهم. أما اليوم وقد بدأ نظام العائلية بالتفكك، أخذ يبرز في كل عائلة أكثر من زعيم، وأكثر من ناطق، وحتى الآن لم نستطع أن نكوّن لأنفسنا إطارا جديدا يحل مكان الإطار العائلي، فليس لدينا جمعيات، أو نقابات، أو أحزاب، أو تنظيمات يمكنها أن تدعم أي فرد منها، ليقود باسمها هذا المجتمع. وبقينا نجتر نظاما عائليا مفككا زاد في حدوث هذا الاضطراب الذي نشهده.
لقد حكم الدروز مناطق واسعة في الشرق، وبنوا الحضارات، وبلغوا شأوا كبيرا في التقدم والإنجاز، وسبقوا غيرهم، وتركوا تراثا خالدا. كل ذلك عندما كانوا موحدين ويعملون تحت كنف زعيم متفق عليه. لكنهم خسروا الكثير، وفقدوا المراكز والإنجازات، عندما انقسموا ونهشت فيهم الغيرة، وبلغ ببعضهم التطاول، وقصر النظر مبلغا عظيما. هكذا حصل في معركة عين دارا عام 1711 التي وقعت نتيجة غباء وحسد، وسقط فيها أكثر من ألفي قتيل وجريح، في صراع عفن بين القيسية واليمنية، أنهى حكم الدروز المطلق للبنان بعد سبعة قرون. وبعد ذلك بعشرات السنوات، اجتمع أغبياء الدروز في مرج السمقانية، وفضّل "أبطال" الحزب القيسي، أن يختاروا زعيما غير درزي من حزبهم، على أن يختاروا زعيما درزيا من الحزب اليمني كحاكم للدروز. وبعد سنوات جاء سليل هذه العائلة غير الدرزية، وحرّض الدرزي على الدرزي، فقضى منهم الواحد على الآخر، وبعد ذلك قضى الحاكم الغريب على ذلك الدرزي الذي قضى على أخيه (بشير الشهابي وبشير جنبلاط). واستمرّت الانقسامات طوال القرن التاسع عشر والعشرين، وفي كل مرة نفقد قلعة وراء قلعة، وحصنا وراء حصن، وموقعا وراء موقع، ولا نتعلم، ولا نتعظ، ولا ندرس العبر، ولا نستمع إلى مشايخنا، ولا نتمعن في فروضنا الدينية، ولا نهتم بأحد، نركب رؤوسنا، ونعتقد أننا الأذكياء والعلماء والفقهاء، ونضع كل ثقلنا في الخسارة والذل والمهانة، ونعتقد أننا سعداء بذلك. ومن يمرّ على التاريخ الدرزي، يعرف أن هناك انتصارات ساحقة، وبطولات عظيمة، وأمجاد خارقة، لكننا، وبسبب عدم إخلاصنا الواحد للآخر، وعدم استعدادنا للتضحية والتعاون والإذعان لتعاليمنا الشريفة، نبرع في قص الشجرة التي نقف عليها. هكذا كان وما زلنا، لأسفنا الشديد حتى اليوم.   
وفي هذه الأيام، نحتفل بعيد الأضحى المبارك بعد أن قضى المتدينون بيننا ومعهم من يزور الخلوات،  أسعد الأوقات خلال ليالي العشر المباركة، وعندما نقف واحدنا أمام الآخر لنتبادل معه تحيات العيد،  علينا أن نبتهل ونصلي وندعو الله، سبحانه وتعالى، أن يهدينا إلى الوحدة والعمل المشترك، ودعم الأخ لأخيه، وتنفيذ فريضة حفظ الإخوان، وعلينا أن نتعلم من آبائنا الروحيين، أساطين العلم والمعرفة والفلسفة، ومن تجاربهم وأفكارهم وتاريخهم الطويل،  فعندما توفي الإسكندر الكبير، كان معلمه وأستاذه الفيلسوف أرسطو، قد فتح مدرسة في أثينا سماها مدرسة المشاءين،ودعا فيها إلى المحبة والألفة، وعلم الفلسفة والفضيلة والتقوى. لكن أعداءه وأعداء تلميذه الإسكندر، استغلوا الوضع، واستولوا على الحكم، وحاربوا كل شيء تابع للحكم ومنه أرسطو، واتهموه بالإلحاد، فسارع أرسطو إلى ترك أثينا قائلا بتهكم: " لا داعي أن أهيئ للأثينيين فرصة أخرى للإجرام ضد الفلسفة"،مشيرا إلى حكم الأثينيين على الفيلسوف سقراط بالموت. وأنتم، أيها الذين تعبثون باسم الطائفة وتضعفونها وتقودونها إلى الانهيار، نقول لكم: لا داعي أن تهيئوا لأحد فرصة  أخرى  للإجرام بحق الطائفة الدرزية.. 

    

وكل عام وأنتم بخير..

سميح ناطور
دالية الكرمل
تشرين ثاني
 2010

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.