spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 132
المرحومة الطالبة وجدان أبو حميد
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130
العدد 129


 
دور المرأة الدرزية في الثورة السورية الكبرى - أرامل الشهداء طباعة ارسال لصديق
بقلم: السيدة سهام ناطور (عيسمي)

تحدثنا في العدد الماضي من "العمامة" عن الدور الكبير الذي قامت به السيدة تركية الأطرش، عقيلة الزعيم الكبير وقائد الثورة السورية الكبرى، عطوفة سلطان باشا الأطرش والذي كان عاملا أساسيا في زعامة وقيادة وصمود البطل الكبير قبل الثورة وخلالها وبعدها. وكان من حسن حظ السيدة تركية الأطرش أن العناية الربانية قامت بحماية القائد الكبير وأعادته سالما إليها وإلى الطائفة الدرزية والوطن والمجتمع، لكن الثورة كبّدت الطائفة الدرزية والمجاهدين الأشاوس ضحايا كبيرة مقدّسة لا تُنسى، حيث استُشهد في معارك الثورة حوالي  ثلاثة آلاف شهيدا. وفقدت الطائفة الدرزية الأغلبية الساحقة من الشهداء، وكان هذا الثمن الذي قدّمته هذه الطائفة كعادتها من أجل الوطن السوري بأسره، ومن أجل الأمة العربية جمعاء، فمع أن الثورة لم تنجح في تحقيق الاستقلال فورا، لكنها زرعت بذور الاستقلال والوطنية في نفوس جميع المواطنين، وساهمت كثيرا في تحسين ظروف الاستعمار، ولا شك أنها ردعت الفرنسيين من أعمال كثيرة كانوا ينوون القيام بها، لو ظل الشعب السوري خانعا مستسلما لا يثور.
وللثورة جوانب وأبعاد كثيرة وللمرأة الدرزية الشهمة الأصيلة المخلصة المضحية دور كبير في مجريات الثورة، وفي تحمّل أعبائها ونتائجها، وفي تكبّد خسائرها، وسوف نتركّز اليوم في ناحية واحدة من الدور الفعّال للمرأة الدرزية في الثورة، هو دور الأرامل اللاتي فقدن أزواجهن في الثورة، وكذلك الأمهات والعائلات الثكلى التي فقدت فلذات أكبادها الأبطال المحاربين المغاوير. وليس هذا هو الوجه الوحيد لمشاركة المرأة الدرزية في الثورة، وإنما هناك عدة وجوه سوف نتطرق إليها في مقالات قادمة.
عندما أعلن القائد سلطان باشا الأطرش نشوب الثورة السورية، هبّت الأغلبية الساحقة من رجال وشباب الطائفة الدرزية في الجبل وفي سوريا وفي لبنان، وكذلك في بلادنا، تنضم للثورة وتتطوّع في صفوفها، وتنضوي تحت لواء قادتها. ولم يفكّر أحد بالموت أو بالإصابة أو بالخسارة المادية، أو بأي نتيجة أخرى، قد يتعرّض لها لاشتراكه في الثورة، بل اندفع الجميع متحمّسين غيورين ومع معنويات عالية، ينفذون كل ما يتطلب منهم. وعلينا أن نذكر أن وراء كل مقاتل درزي امرأة، أو أم، أو أخت، أو أهل، وكل واحد من هؤلاء المحاربين ترك دفء البيت والأسرة، وذهب ملبّيا نداء العلم، ليقاتل ويحارب من أجل المصلحة العامة. واستبسل المحاربون وبرزت أعمال بطولية خارقة في المعارك والمواقع والحروب والمناوشات، وكانت النتيجة استشهاد آلاف الضحايا، وكانت النتيجة ترمّل مئات النساء، وثكل آلاف الأمهات، وفقدان عامود البيت في مئات البيوت. وقد كانت هذه ثورة شعبية، أي أن المقاتلين حاربوا في نطاق تجمّعات تلقائية غير منظمة، وليس في نطاق جيش مرتّب تقف وراءه دولة أو مؤسسة. أي أن الشهيد لا يحصل على مخصصات أو تعويضات أو أي دعم، وعلى أسرته أن تتحمّل كافة المصاريف والأعباء والالتزامات. وقد بلغ عدد الشهداء أكثر من ثلاثة آلاف، وهذا العدد يشكّل الدعامة الأساسية للقوى البشرية الموجودة في الجبل، فتصوّروا أي كارثة اقتصادية ومعنوية وبشرية وقعت في الجبل الأشم وفي القرى الدرزية الأخرى، لكن الجبل تحمّل وصمد وقاوم واستطاع أن يستمر ولم يتحطّم، وإنما تغلّب الجبل على جراحه، وحوّل الموت إلى دافع كبير للحياة، وظل هذا الجبل شامخا عريقا كما كان، وكل ذلك بفضل تلك النساء، الزوجات الكريمات، الأمهات الفاضلات، الأخوات المصونات اللاتي أصبحن الرجل والمرأة والأم والأخ ودعامة البيت، وقلبن الوضع من كارثة إلى انتصار، ومن تقهقر إلى تقدم، ومن خذلان إلى صعود إلى الأمام، بفضل معنويات عالية، وإيمان عميق، وبسالة منقطعة النظير، ورغبة شديدة في استمرارية الحياة، وفي تخليد ذكرى الشهداء عن طريق خلق مستقبل أفضل للأبناء والإخوة والأحفاد. لقد انتهت الثورة بعد سنتين من إعلانها وفي هاتين السنتين تحمّلت البلاد والقرى الدرزية، القصف الشديد، والتخريب، والمطاردة والاضطهاد من قِبل الاستعمار الفرنسي الشرس، لكن كل أم، وكل زوجة، وكل أخت وقفت صامدة أمام الحكام العسكريين المتعجرفين القساة الغزاة، الذين أظهروا وجها غير إنساني في معاملاتهم، وقفت المرأة الدرزية بكل عنفوانها وحافظت على بيتها وأولادها وأسرتها، وأوحت إلى زوجها في الميدان، وفي قلب المعركة، أن حارب وقاتل واصمد وقاوم وتألق واطمئن، أن بيتك وأولادك وأهلك في سلام وفي رعاية. لقد قامت كل امرأة بالاهتمام بلقمة العيش، وبتضميد الجروح، وبتعليم الأولاد وبتربيتهم، وبخلق جو من الأمل والتفاؤل عندهم، كل ذلك، ونحن نعلم أن المرأة الدرزية في العشرينات من القرن العشرين، لم تكن تلك المرأة المتعلمة المثقفة المتفتحة، لكنها كانت امرأة مؤمنة طيّبة مخلصة لبيتها ولدينها ولمجتمعها، وكانت تشعر بعبء المسؤولية، وتبذل قصارى جهدها في المحافظة على ما تركها لها زوجها الشهيد، من وصايا للاهتمام بالأرض والأولاد والاسم الطيب والذكر الحسن لها ولأولادها، لكي يظل شرف زوجها مصونا ومحترما. وكم سمعنا في مجتمعات أخرى في أوضاع مماثلة عن وقوع حوادث كثيرة من الشذوذ الانسياب عند من فقدن أعز ما عندهن بسبب وصولهن إلى اليأس والقنوط، لكن المرأة الدرزية التي فقدت زوجها، وهي ما زالت في ريعان الشباب، وفي قمة عطائها، ظلت في بيتها، تحضن أولادها، وتحيي ذكرى زوجها، وتربي بيتها على الفضيلة والعلم والتضحية والمسلك الشريف. وما أصعب أن تجد ثلاثة آلاف أرملة، في بقعة صغيرة في مجتمع مغلق. لكن المأساة وحّدت كل أولائك النساء، وجعلت منهن كتلة بشرية ضخمة، ذات شعور بالواجب والتضحية والعمل من أجل الجميع. ولا شك أن للتعاليم التوحيدية، وللتربية الدينية، وللعادات والأخلاق المعروفية المتوارثة، دور كبير في دعم المرأة الدرزية المؤمنة، التي قسا عليها القدر، وفقدت أعز ما عندها، واستفاقت فجأة لتحمّل كل أعباء الحياة، فبرعت ونجحت وأعطت للإنسانية جمعاء دروسا في النبل والأصالة والإخلاص والتضحية والتفاني، من أجل الأولاد والأسرة والعائلة والطائفة والوطن، وقبل كل ذلك من أجل ذكرى الشهيد الغالي الذي وضع نفسه على كفه، وراح يحارب من أجل والوطن، مطمئنا أنه مهما كان شجاعا ومهما كان مقداما ومهما كان مضحيا، إلا أنه ترك في البيت، من هي أقوى وأشجع وأكثر تضحية منه ومن رفاقه.  
 
 

 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.