spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 98
كتاب "الدروز" للبارون الألماني "ماكس فون أوبنهايم"
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 134
العدد 133
العدد 132
العدد 131
العدد 130


 
كلمة العدد: وقد عقدوا الأيدي والمواثيق على أخوة سلاح طباعة ارسال لصديق
وقد عقدوا الأيدي والمواثيق على أخوة سلاح
جاء في كتاب الأستاذ منير تقي الدين, بعنوان " ولادة استقلال", عن عملية إعلان استقلال لبنان, ورفع العلم في قرية بشامون الدرزية, من قبل الأمير مجيد أرسلان وصحبه, حينما كانت القيادة اللبنانية معتقلة من قبل الفرنسيين, وكانت قرية بشامون, تتأهب لمعركة الاستقلال ما يلي:" ... روى أحد قواد الحرس الوطني قائلا, أوفدت إحدى الضياع المجاورة, خمسين مقاتلا لبشامون، بينهم ولد يناهز الثانية عشرة. توزعت الشبان على المتاريس، إلا الولد فقد ظل مكانه واقفا يبكي. سأله القائد، فيما بكاؤه فانكبّ على يده يقبّلها صارخا: أريد أن أحارب.... وما برح يبكي حتى ألحقه بأبيه. (اسم الولد محمد سلمان عبد الخالق من مجد البعنا)

هذا الولد يجسّد ما يمثل ويشير ويدل ويعبّر عن المحارب الدرزي الحقيقي. هذا المحارب الذي اضطرته الظروف المذهبية والتاريخية, أن يحمل الفأس بيدٍ, وان يحمل السلاح باليد الأخرى, وان يظل دائما وأبدا, متأهبا للدفاع عن الشرف, والكرامة, والأرض, والعرض, والبيت, والقرية, والطائفة, والكيان الذي يعيش فيه. وفي نفس اللحظة, التي يرفع فيها المحارب الدرزي سلاحه, أمام الذين يطمعون بالتنكر له, ومحاربته والاعتداء عليه, عليه أن يطعم أولاده, وأن يتفرّغ إلى دينه, وأن يحافظ على وجوده. وهذه المهمات ليست بالأمر السهل, ولا بالأمر اليسير, وخاصة حينما تتراكم الاعتداءات على المواطن الدرزي, وحينما تكون المضايقات فوق طاقته, وأصعب من قوته, وأكبر من إمكانياته. عندها يلجأ المواطن الدرزي إلى خالقه، يشكره على نعمه عليه، يعلن مجددا ولاءه وإخلاصه وتعلقه به, ويصرح أنه يقوم بواجبه معتمدا عليه, وعلى دعمه له, فإن كُتب له الانتصار, فإن الله سبحانه وتعالى, يذلل كل المصائب, ويحقق المعجزات, أمام المحارب الدرزي المنتصر. وإن كُتب عليه غير ذلك, يتقبل المواطن الدرزي هذا الحكم, بالشكر والرضا والتسليم, ويعلم أن في الأمر حكمة ربانية غير واضحة له الآن, لكن ستظهر فيما بعد, لتثبت له أن الله سبحانه وتعالى, دائما معه, ما دام هو يقوم بواجبه خير قيام.
لقد تعلم المواطن الدرزي, أنه لا يمكن أن يعتمد على ثروة, أو على دعم فئات مختلفة, أو على أسلحة سرية فتاكة, أو على أمور كثيرة أخرى, يستعملها باقي البشر, للنجاة من مآزق وورطات تطبق عليهم. الدرزي يعتمد فقط على نفسه, وعلى الله, سبحانه وتعالى. وقد اثبت ذلك, خلال مئات السنين, لتواجد المواطنين الدروز في بلدان الشرق الأوسط المختلفة.ففي هذه الفترة الطويلة التي تمتد على مدى عدة قرون ظهرت إمبراطوريات ودول عظمى وحققت إنجازات عسكرية هائلة وأثبتت عظمتها ووجودها خلال سنوات طويلة وبلغت شأوا كبيرا من النفوذ والقوة, لكنها عادت واضمحلت واختفت وزال حكمها وبصعوبة قد تجد لها ذكرا في التاريخ.

أما الطائفة الدرزية, التي يبلغ عدد أفرادها اليوم, حوالي المليوني مواطن فقط, والتي كان حجمها على مدى التاريخ, لا يزيد عن ذلك, فقد وقفت أمام هذه الإمبراطوريات الرهيبة, ودافعت عن نفسها, واستطاعت بعونه تعالى, الصمود والثبات والبقاء والخلود, كل ذلك بفضل أبنائها وشبابها وشيوخها وزعمائها, والأمهات والزوجات والأخوات, وكل المجتمع الدرزي المتراص الصامد الواقف يدا واحدة.هناك حقائق تاريخية معترف بها, لمواقف الدروز على مر التاريخ, ولا أحد يمكن أن ينكر ذلك, ومن يتصفح الكتب والمجلات العربية الصادرة منذ منتصف القرن التاسع عشر, يجد عشرات المقالات, تشهد ببطولة الدروز ومواقفهم وأعمالهم وأمجادهم, وهذه أكبر وأهم شهادة توضح وتبرز ما يعرفه الجميع, وهو أن المواطن الدرزي, أينما كان, وأينما عاش, وأينما تواجد, يظل وفيا مخلصا أمينا لمن أحسن إليه, أو ضمه في كنفه, أو صادقه وتعايش معه بكرامة واحترام.وكل بيت درزي, وكل عائلة, وكل شيخ أو إنسان مؤمن, يعلم أن البقاء له ثمن, وأن عزة الطائفة تتطلب أن يظل أبناؤها ساهرين على عزتها وكرامتها, وأن يضحّوا من أجلها, ومن أجل بقائها. وقد كانت التضحية في الطائفة الدرزية, أمراً بديهياً, فالإيمان العميق بالله سبحانه وتعالى, بالقدر المحتوم, وبالساعة المكتوبة, وبالأجل المخطط, تجعل نفوس المؤمنين ساكنة هادئة مطمأنة, تعلم أنه لن يصيبها إلاّ ما كتب الله لها. وقد ساعد هذا الموضوع, أبناء التوحيد, على مختلف العصور, في تحمّل المشاق, وفي الصبر على الويلات, وفي مجابهة المحن, وفي تحمّل كافة المصائب. وكان إيمان المواطن الدرزي بخالقه وبعقيدته, أهمّ سلاح, وأكبر سند, وأضخم قوة, اعتمد عليها في تقبُّل كل ما يحدث والسير قدماً. والمجتمع الذي يكون أفراده بهذا العزم والإيمان, يتعالى إلى قدر كبير من المسئولية, ومن المواجهة, ومن الصمود والبقاء.وقد ظل الإنسان في محور كل التحرّكات التوحيدية على مرّ التاريخ. نعم لا توجد لدينا أهمية للجسد, لكن توجد أهمية كبيرة للنفس، للروح، للكيان، للاسم، ولكل مقوّمات الشخصية الدرزية.
وقد حارب الدروز في معاقلهم، في قراهم، وفي جبالهم، حرباً دفاعية. ولم تكن في يوم من الأيام في أفكارهم غزوات، أو تعدّيات، أو تسلطات، أو استعمال القوة للتوسّع أو للتحكّم أو للاستعمار. كان المواطن الدرزي هادئاً مسالماً, يعيش في بيته وأرضه وقريته, يهبّ فقط عندما يحاول أي عنصر خارجي, ان يؤثر عليه, أو يمس به, أو يخدش من كرامته ووجوده. والحرب الدفاعية هي عادة أقوى وأعمق وأشدّ, فالمواطن الدرزي, الذي يعرف أن هناك خطرا يحدّق به وبأبنائه وأسرته, يستميت في الدفاع عنهم, ويضحّي بروحه كي يصون عرضهم, ويبعد عنهم المهانة. وكم شهيداً سقط في جبال الشوف, وجبال حوران, وجبل السماق, وجبال الجليل, وجبل الكرمل, وجبل الشيخ, ووادي التيم, وأماكن أخرى, ضحّوا بأنفسهم, كي تظل كرامة الطائفة محفوظة ومصانة دائماً.
وقد ورد في كتاب الأستاذ سامي أبي شقرا " مناقب الدروز في العقيدة والتاريخ"

" ..علينا أن ننوه بلمحة فخر واعتزاز بمعركة الأقحوانة . إنها مكان في فلسطين قرب حطين, بجوار مقام النبي شعيب (ع) جرت فيه معركة ساحقة مظفرة عام 420 هجرية كان بطلها الأمير الدرزي رافع بن أبي الليل, الذي قتل الثائر على العهد الفاطمي آنذاك صالح بن مرداس. قتل صالح وتبددت جموعه في الشعاب, أما الدروز فكانت تلك أولى معاركهم كطائفة ذات كيان, فتصافحوا وعقدوا الأيدي والمواثيق على المضي في أخوة سلاح, لا يهادنون الباطل ولا يغمضون على الهوان, ولا تستهويهم مفاتن الدنيا إلى عدوان.."
هؤلاء هم المحاربون الدروز عبر التاريخ, فلينصرهم الله دائما, وليرحم الشهداء من بينهم أينما سقطوا..


ولتبقى ذكراهم خالدة...

سميح ناطور

دالية الكرمل
ايار
2006
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.