spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 11
سيدنا عمّار بن ياسر
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: اللقمة مهما كانت دسمة طعمها يزول،أما الكلمة طباعة ارسال لصديق
نزل من القطار في مدينة بوسطن زوجان يرتديان ملابس متواضعة وتوجّها لمقابلة رئيس الجامعة  بدون موعد. تضايقت السكرتيرة من وجودهما، لكنهما أصرّا على الانتظار، حتى يتفرّغ رئيس الجامعة لمقابلتهما. وبعد  ساعات وافق الرئيس أن يخصص لهما بضع دقائق، وعاملهما بخشونة وازدراء فقالا له: إن ابنهما تعلم في الجامعة لمدة سنة، وقُتل في حادث، وهما يريدان أن يتبرعا بإقامة مبنى يحمل اسمه. نظر إليهما الرئيس باستخفاف قائلا: هل لديكما فكرة كم يكلف مبنى في الجامعة! لقد كلّفتنا مباني الجامعة حوالي سبعة ونصف مليون دولارا. ساد الصمت برهة، ونظرت الزوجة لزوجها قائلة: إذا كانت هذه تكاليف الجامعة فلماذا لا نبني نحن جامعة تحمل اسم ابننا. غادر الزوجان، ليلاند وجين ستانفورد، وسط ذهول وخيبة الرئيس المتعجرف، وعادا إلى كاليفورنيا، وأسسا هناك جامعة ستانفورد العريقة، التي تخرّج منها كبار العلماء والمثقفين. حدث هذا عام 1884 وكتب عنه لاحقا. 
ونحن نستعيد ذكر هذه الحادثة، أولا لنستخلص منها العبر، وثانيا لأننا على عتبة تحول جذري في تفكيرنا، حيث بدأنا نؤمن بالثقافة الجامعية، ونسعى لتحقيقها، ونربي ألأجيال على انتهاجها والمسير فيها والتعامل معها، وثالثا لأن جامعة حيفا، قامت بمنح فضيلة الشيخ موفق طريف دكتوراه فخرية، تقديرا لمواقفه وخدماته، وتعبيرا عن شكرها للطائفة الدرزية. ومع أن هذا التحول نحو التحصيل الجامعي، يأتي متأخرا في حياتنا، إلا أننا نبارك ذلك، ونأمل أن نسد مع الوقت الفجوات بيننا وبين الآخرين، وأن نمتاز يوما ما بالتحصيل العلمي، مثلما امتزنا في السابق بالشجاعة واٌلإقدام والكرم والأخلاق. لكنه ما زالت توجد في طريقنا بعض الأفكار القديمة والأمور التي يجب أن تتغير مع تغير الظروف والأحوال.
لقد اشتهر الدروز طوال حياتهم، بالكرم والسخاء والمعروف، وإيواء الضيف، وإغاثة الملهوف، ودعم الآخرين، والحرص على الباب المفتوح، والديوان الواسع، والقهوة الساخنة، والمائدة العامرة. وكانت هذه الأمور لنا   مصدر عزة وكرامة،  نتباهى بها، ونشمخ بوجودها، ونربي أبناءنا على إتباعها والاستمرار فيها. وقد كانت  مناسبة للظروف المعيشية التي مررنا بها، والتي عشنا فيها، والتي تأقلمنا معها، وسرنا على هداها في السنين الغابرة. فقد كان المجتمع بسيطا، ومكونا من فئة صغيرة غنية تملك الأراضي والمواشي والأملاك، وأغلبية ساحقة، تكاد بصعوبة تحصل على قوت يومها. وكان الكرم في محله، والسخاء في مقامه، والبذل والعطاء له معنى .
أما اليوم فقد تغيّرت كل هذه الظروف، وتقدم المجتمع بشكل مطرد، وأصبح  بإمكان أصغر أسرة أن تمد أكبر طاولة، وانعدم الجوع والفقر في أوساطنا. ونحن آخر من يمكن أن ينتقد، أو يلوم، أو يبدي أي ملاحظة على الكرم والعطاء، إذا كان ذلك في مكانه، وفي موضعه، وبالمقدار الذي يفي بالغرض المطلوب. فنحن نشجّع ونحيي ونكرّم ونحترم، كل إنسان معطاء كريم سخي، على أي مبادرة يقوم بها، لكننا، وما نريد أن نحذر منه، هو البذخ الزائد، والمباهاة الفارغة في الكرم وفي التبذير، ليس من أجل سد حاجة أو مساعدة مسكين، أو إيواء ضيف، وإنما من اجل المباهاة والتبهرج والتفاخر والتعالي، كي يبرز هذا الإنسان لمصلحة في نفسه، أو لغاية، أو لمقصد، وليس لأجل العطاء الحقيقي. وما نقصده هو أننا مجتمع، لديه إمكانيات، وهو يبذر الكثير، ولكن ليس في المكان المناسب، ففي كل قرية من قرانا، تُهدر في الأعياد وفي الأعراس وفي المناسبات، وفي أعياد الميلاد، وفي يوم الأم، وفي غيرها من الأحداث الدخيلة علينا، مبالغ طائلة بدون فائدة وبدون جدوى وبلا حساب. وما ندعو إليه ونشجع على وجوده، هو أن نستمر في الكرم والسخاء والعطاء بمنطق وترو وعقلانية، وفي نفس الوقت، أن نخصص جزءا من ميزانياتنا، ومن المبالغ المهدورة لدينا، لمشاريع جماهيرية، ولمؤسسات عامة، ولمرافق تعود على المجتمع كله بالفائدة. فنحن مثلا، بحاجة إلى مستشفى للولادة، تعمل فيه طبيبات درزيات من بيننا لاستقبال النساء الدرزيات المصونات. ونحن بحاجة إلى كلية او جامعة تدرس فيها الطالبات المتدينات، وتتخصصن في المواضيع الضرورية المفيدة لمجتمعنا والمطلوبة عندنا. نحن بحاجة لمراكز تثقيفية ونواد للتوعية ومعاهد تعليمية، لمختلف أنواع الشباب والشابات. ونحن بحاجة لبيوت للعجزة والأيتام والمنكوبين بيننا، الذين قسا عليهم الدهر. صحيح ان الدولة والمجالس المحلية والمؤسسات الرسمية، مطالبة بتأمين كل هذه الحاجيات، والبعض منها موجود، لكن المتبع في كل العالم، هو أن تقوم المؤسسات الرسمية، بقسم من هذا الجهد، ويقوم الأهالي تطوعا وتبرعا بتغطية الجزء الذي لا تغطيه المؤسسات العامة. صحيح أننا نشاهد هنا وهناك، مبادرات من قِبل أفراد أو من قبل مجموعة من الناس، للقيام بهذه المشاريع، لكننا وحتى الآن، لم نكتسب أو لم يتعمم لدينا هذا الوعي، للقيام بهذه المشاريع المطلوبة. أحيانا يتباهى بعض القادرين منا بالتبرع لفريق كرة قدم، او لمصلحة أخرى، وهذا أيضا مهم، لكن الموضوع يصدر عن أفراد قلائل،  في حين يعيش بيننا، والحمد لله، العدد الكبير من أصحاب القدرات المادية، الذين بإمكانهم أن يقوموا مجتمعين، بتغطية نفقات أكبر المشاريع الخيرية التي نحن بأمس الحاجة إليها.
يشهد الكثيرون من المسؤولين والمراقبين والآخرين، من أبناء الطوائف الأخرى، أن الدروز شعب معطاء، مخلص، أمين، وشديد السخاء. وهذا بلا شد صحيح ولا ينكره أحد، لكننا أحيانا نستميت من أجل الآخرين، ونضحي من أجل الغير، لكننا ضعفاء بحق أنفسنا. أو انه، بما أننا أقلية، نستكثر الواحد على الآخر أي انجاز يقوم به، فنحسده ونعرقله ونحاول خذله، بدل أن ندعمه ونساعده، لذلك نفقد الكثير من مراكز القوى. وعلينا أن نغير هذا النهج، وأن نجمع قوانا وقدراتنا وإمكانياتنا وهي كثيرة، لمصلحة الجميع وللمشاريع العامة ولتقدم كل فرد منا.
ونحن هنا لا نأتي بجديد  وإنما نتعلم من كبارنا وقادتنا، فقد ذُكر عن الزعيم المعروف الكبير الأستاذ عارف النكدي أنه عُين في الثلاثينات من القرن العشرين مديرا لمعارف جبل الدروز، وقد قام ابتهاجا به وجهاء الجبل كعادتهم بدعوته لوجبات فاخرة بحضور عدد كبير من المدعوين. وقد قيل إن عارف النكدي قبل في البداية حضور بعض الوجبات لكنه تحدث بصراحة مع الوجهاء الباقين قائلا لهم: إنه يطلب منهم التبرع بتكاليف الوجبة، وهو مستعد أن يأكل عندهم الخبز والزيت إكراما لهم، وقد استعمل المبالغ التي حصل عليها مقابل الوجبات التي لم تتم، في بناء بيت اليتيم الدرزي ...
ونحن الآن على عتبة الزيارة السنوية لمقام سيدنا أبي ابراهيم (ع) في الكرمل.  وعندما  نقف خاشعين أمام المغارة الصخرية التي تعبد فيها سيدنا أبو ابراهيم (ع)، قليلون منا فقط يذكرون أن شجرة العنب التي ظللت المغارة،  بسببها أطلق هذا الإسم على القرية، حيث كانت كروم العنب في حينه تغطي سفوح الكرمل، لكن الكروم زالت وبقي الإسم، وبقيت  الكلمة وظل الفكر.
وقد حان الوقت أن نعلم، أن اللقمة مهما كانت دسمة لكن طعمها يزول، أما الكلمة، فهي لذيذة في حينها وفي كل الأحيان.   

زيارة مباركة

سميح ناطور


دالية الكرمل
تموز
 2010


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.