spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 96
من مقدساتنا: أخناتون ومحو الأمية
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: حينما كان الشيخ شيخا والزعيم زعيما طباعة ارسال لصديق
ورد في التاريخ، أن الشيخ زين الدين زين الدين (1835- 1907) عُين وكيلا لآل جنبلاط في عهد الشيخ نسيب بك جنبلاط، وعندما كان يشرف على نقل أثاث إحدى الغرف، مسك الشيخ نسيب صندوقا فاخرا، وقدّمه له هدية، ولما فتحه، عثر فيه الشيخ زين الدين على كمية من الذهب، فأعاده فورا إلى نسيب بك، الذي قال له، أنا لا أعود عن عطائي فهو لك يا زين الدين. فاستغلّه الشيخ زين  الذهب، في تعليم أولاده الثلاثة، فأرسلهم إلى الآستانة للتخصص، وقابل أحد أولاده السلطان العثماني، فنال عنده حظوة كبيرة وأنعم عليه وعلى أخويه برتبة بك، وعلى والده برتبة باشا. وعندما عاد الإخوة إلى لبنان، أطلعوا نسيب بك على هذا الواقع وقالوا : إنهم لا يستطيعون أن يعلنوا أن والدهم باشا، ما دام ولي نعمتهم، نسيب بك برتبة بك. ضحك نسيب بك وقال لهم: بل زين الدين باشا...
نعم، الحياة هي مراكز ومقامات، والطائفة الدرزية في السابق، ومعظم رجالاتها وزعمائها وأفرادها، يعرفون الأصول، ويتقيدون بالعرف السائد، ويسيرون حسب العادات المتبعة والقوانين المتعارف عليها، والتي تراكمت مع السنين، وأصبحت دستورا واضحا، يتقيد به الكبير والصغير، ويحترمه كل إنسان عاقل، ولا يحيد عنه إلا الشاذ والمنبوذ وعديم الأصل.  وقد حافظت الطائفة الدرزية على كيانها واستقلالها واحترامها خلال ألف سنة، لأن كل فرد من أفرادها، عرف موقعه ومكانه ومنزلته، فالشيخ كان شيخا، والزعيم كان زعيما، والمقاتل مقاتلا، والعامل عاملا، وكل فرد عرف دوره وواجبه وكل ما يتطلب منه المجتمع. وهذا التوازن الذي استطعنا أن نعتمد عليه خلال ألف سنة، هو الذي كان دعامة هذا المجتمع، وسند هذه الطائفة، وركيزة أبناء التوحيد في كل مكان طبعا. كل ذلك بعد الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، ومن خلال تمسكنا وتشبثنا وارتباطنا بالمبادئ السليمة والقويمة والحنيفة، التي يعتمد عليها دين التوحيد. وما زالت مناقب الدروز تُسجَّل ويقتدى بها في كافة أنحاء المعمورة، فإذا قلتَ المروءة، والشجاعة، والكرم، والبسالة، والتضحية، وعزة النفس، قلت الدروز. وكل علم من أعلام الدروز، برز في أي مكان من الأمكنة، وفي أي زمان من الأزمنة، كان ويظل مثالا يحتذى به، ونتعلم منه، ونحاول أن نقلده، ونربي الأجيال الجديدة على هداه.
كان كل ذالك صحيحا، حينما كان محور حياتنا في داخلنا، وعندما كانت نقطة الارتكاز لمجتمعنا فيما بيننا. لكن الانفتاح الذي حدث في العصر الأخير، هدّد كل أركان المجتمع التوحيدي، وهزّ كل دعائمه، وزعزع كل مراكز قواه. فالدين القويم الحنيف، الذي غلّفنا بروحانيته وبهالته وبقدسيته، بدأ البعض منا يتنكر له، ويبتعد عنه، ولا يسير حسب تعليماته. والروابط العائلية ووشائج القربى وصلات الرحم الدموية، التي جمعت بيننا، أخذت تضعف وتخفّ، بسبب أيديولوجيات غريبة، ومطامع خارجية، وبِدَع وأفكار مستوردة، لا تمت إلينا بصلة. وقد سعدنا أننا تقدّمنا وفتحنا الشارع بين قريتنا والمدينة، وأدخلنا الكهرباء إلى بيوتنا، واقتنينا التلفزيون والفيديو والحاسوب، وقطعنا الحدود عبر القارات، وأصبحنا جزءا من العالم الكبير، لكن هذه السعادة هي مؤقتة، فهذا التقدم طرأ وحدث عند جميع الشعوب والأمم، لكن معظم هذه الشعوب والأمم، عرفت كيف تحافظ على جذورها وكيانها وأصالتها ومميزاتها. أما نحن، فأخذنا نتنكّر لما لدينا وكان كنزا من كنوزنا، وأصبحت النتيجة، أننا بدل أن نكون مجموعة مميزة بارزة نقية طاهرة، أصبحنا لمما نركض وراء المادة والمركز والجاه والسلطة واللذة. وسرعان ما ظهرت في أوساطنا، طبقة من الأغنياء الجدد، الذين كانوا في السابق، بالكاد يحصلون على قوت يومهم،  لكن أصابهم الحظ وانتعشوا اقتصاديا، وأصبحوا ذوي ثروات، فلم يكتفوا بحمد ربهم على ما منحهم، وإنما زادت أطماعهم، ونسوا من أين أتوا ومن هم، واعتقدوا أن المال هو سيد الكون، وأن بواسطته يركلون الزعامة التقليدية، وطبقات المشايخ، وجماعات المثقفين والقوى الأخرى البنّاءة في المجتمع. فلا هم أتقنوا الزعامة بحق وحقيق، ولا هم حافظوا أو تعاونوا مع الزعامة التقليدية، لذلك نجد الأسماء تتقلب وتتكرر في السلطات المحلية وفي البرلمانات وفي أماكن أخرى، هذه الأسماء تشق طريقها فجأة إلى القمة، ولا تجيد التصرف، فتنهار وتختفي، لكنها تظل حاقدة تندب حظها، وتحاول دائما الهدم والتحطيم، لكي تظل طافية فوق الماء، وكل ما يهمها هو بقاؤها وليس مصلحة المجتمع ولا تقدمه .
وقد بدأنا حديثنا بمعرفة الأصول والتقاليد والعادات والواجبات، ويمكن أن يفكر القارئ أن هذه هي أهم مشاكلنا. ونحن نقول، إن هذه ليست أهم مشاكلنا، وإنما نحن نعاني من مشاكل كثيرة أخرى، لكننا نعتقد أن كل مشاكلنا، سببها هو الابتعاد عن الأصول والركائز الثابتة، وهي مفتاح كل الشرور والآفات التي تواجهنا. وما يمكن أن نقوله لإصلاح هذا الوضع، هو  أنه ليس علينا أن نيأس، والحل متوفر وموجود عندنا دائما، فيمكننا أن نتعلم ونتقدم ونتطور ونصل إلى المريخ في علومنا، وأن نحضر إلى بيوتنا أحدث الاختراعات والتقنيات، وان نكون رجال العالم الواسع، وان نحقق كل ما نصبو إليه، كل ذلك في نطاق مجتمع تقليدي محافظ على أصوله وشخصيته وعاداته. ونحن لا نريد أن يصيبنا، ما حدث لذلك المتسول، الذي عطف أحدهم عليه، فشمله برعايته، لكنه تبغدد وتنكر ونسي من هو ومن أين أتى وأخذ يطالب بما يعتقد أنه من حقوقه.
فما زلت أذكر أنه في الستينات من القرن الماضي، حين  كنت أدرس في الجامعة العبرية في القدس، وأعمل مسؤولا في البلدية، كان مكتبي في شارع يافا، وكان مقابل مكتبي، مكتب لشخص وجيه من وجهاء اليهود في القدس، له مكانة اجتماعية محترمة، ميسور الحال ويُعتبر أحد مخاتير القدس. وكان يجلس على قارعة الطريق، بجانب مكتب هذا الوجيه، متسوّل مسكين، ينظر إلى المارّين نظرة استجداء، ليتكرموا عليه ببعض النقود. وقد خطر لهذا الوجيه أن يُشعِر هذا المتسول أنه إنسان. فقرر في أحد الأيام، أن يصنع بنفسه في مكتبه، وجبة غداء له وللمتسول، وعمل ساعات للتحضير، وحاول أن يتفنن، ودعا المتسول وجلس وإياه يستمتع وهو يرى ضيفه يأكل بشهية، ويتناول هو كذلك الطعام الذي صنعه بيديه بشهية أكثر. وشكر المتسول مضيفه، وعاد إلى زاويته. وتكرر العمل في اليوم التالي، وكانت لذة الوجبه أكثر، عندما رأى ضيفه منتعشا وسعيدا. ولما انتهت الوجبة وشربا القهوة، وشعرا بالشبع ولذة الطعام، قال الوجيه لضيفه: طبعا، موعدنا في نفس الوقت غدا. أجاب المتسول: متأسف، أنا لا أضيع وقتي هباء، فأنت مستمتع بصحبتي، وأنا أريد أجرا على ذلك!!!

وكل عام وانتم بألف خير..

سميح ناطور

دالية الكرمل
نيسان
 2010


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.