spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 57
كلمة العدد: لكنهم في المكرمات كبار...
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 140
العدد 139
العدد 138
العدد 137
العدد 136


 
كلمة العدد: قوس قزح والمرأة الدرزية الشريفة طباعة ارسال لصديق
Image
جاء في مذكرات الكولونيل تشرتشل، الذي قضى عشر سنوات في لبنان، مندوبا للإمبراطورية البريطانية العظمى، واختلط بالسكان، وعرف كل شيء عنهم، وألف كتابا بعنوان "جبل لبنان عشر سنوات إقامة بين الموارنة والدروز" (1842 - 1852) ذِكر لحادثة طريفة، عن وضع المرأة الدرزية في ذلك الوقت حيث قال :
"والنساء الدرزيات، يتمتعن بتكوين جسماني قوي، وشجاعة أدبية عالية، كانت تدفعهن في بعض الحالات لأن يعيبوا على أزواجهن، أي تلكؤ في الإقدام والجرأة، عندما تتأزم الأمور، وكن يتبعهن إلى ساحات القتال بجرأة وحزم.ففي الحرب الأهلية الأخيرة، سنة 1845 عندما كانت قرية بتاتر مهددة  بعدد كبير من المسيحيين، لحث الدروز بإخلاء المكان، حتى أن أحد المشايخ الرئيسيين، اقترح إعطاء الإشارة بالتراجع، فانتفضت غضبا زوجة الشيخ قاسم عبد الملك قائلة: " إذا كنتم لا تعتبرون أنفسكم رجالا، أعطوني طربوشا وسيفا، وسأتولى بنفسي قيادة المعركة" هذا الصوت الجريء البطولي، حرك الدماء في قلوب الرجال، فاندفعوا إلى المعركة وكان النصر حليفهم."
هذه السيدة، لم تكن وحيدة في تاريخ الدروز في موقفها هذا، فمن يطّلع على صفحات التواريخ المجيدة للدروز، يصطدم بعشرات المواقف المشابهة، والتي كان لها الفعل الساحر في تحقيق الانتصار والدفاع والذود عن الحِمى، وعن العشيرة وعن الذمار. وتاريخ الدروز، هو تاريخ قتال وصراع دموي ومآس وثكل وترمُل وتهجير وفقدان أعز ما يملك الإنسان. لكن الوجه الصامد والعنصر الثابت والعمود الفقري الرئيسي الذي حافظ على الطائفة الدرزية، خلال ألف سنة، هو المرأة الدرزية. والمرأة الدرزية تستحق القداسة لمواقفها ولتفانيها ولصمودها مع الرجل، ولتعاونها في كل مجالات الحياة. وقد مرّ في تاريخ الدروز، ذكر لمئات الأسماء البرّاقة من النساء، ابتداء من الست سارة العفيفة الطاهرة، التي أرسلها مولانا بهاء الدين عليه السلام في مهمة صعبة، مشيرا بذلك إلى أن المذهب الدرزي يعتمد على المرأة، ويثق بها، ويعتز بوجودها، ويضع مصيره بين يديها. وهذا المذهب يساوي المرأة بالرجل في جميع الحالات، بشرط أن تتقيّد المرأة بكل ما يطلب منها المذهب الحنيف، مثلما يتقيّد الرجل بكل ما يطلب منه نفس المذهب. وقد قامت المرأة الدرزية بواجباتها على مرّ السنين، فكانت الأم، وربة البيت، والمساعدة في العمل، ومربية الأولاد، والمشجّعة في القتال، والمتديّنة الفاضلة، والحاكمة، والرائدة، والمبادرة إلى صيانة ودعم المجتمع الدرزي. وفي كل مجال من مجالات الحياة، يوجد نماذج نساء نشيطات برزن في هذا المجال، وعندما جدّد الأمير السيد، قدّس الله سره، تعاليم المذهب الدرزي، أعطى المرأة مكانها الطبيعي والحقيقي في تعاليمه وإرشاداته، وحثها على أن تصون نفسها وبيتها، وأن تتقيّد بالتعاليم الحنيفة، والتقاليد العريقة، وأن تعمل دائما لما يرضي الله سبحانه وتعالى ومجتمعها وأهلها وبيتها وأسرتها. وقد ركّز المجتمع الدرزي على طهارة العائلة وعلى نقائها، وعلى عدم المس بها والعبث بشرفها، وظل والحمد لله هذا المجتمع، نظيفا، نقيا، طاهرا، بالرغم من كل الصعوبات التي واجهها وجابهها واصطدم بها على مر التاريخ. وكانت المرأة الدرزية مؤمنة بهذا الخط، وليست مجبرة، وقد صانت نفسها، وقامت بواجبها، عن حب، وعن وعي، وعن فهم، وعن إدراك، وليس عن كبت أو ملاحقة أو مطاردة. فصيانة العرض، والمحافظة على العفة والكرامة، هي شعار كل امرأة وفتاة عاشت في المجتمع الدرزي، في الألف سنة في كل أماكن تواجد أبناء الطائفة الدرزية، وهذا الوضع افتخرنا، ونفتخر به، ونعتز بوجوده، ونأمل أن يستمر، وأن يدوم، وأن يظل، الشعار والدليل والعلم والراية، لكل أبناء التوحيد أينما وُجدوا.
وفي السنوات الأخيرة، قفز المجتمع الدرزي، قفزة عالية في اتجاه الحضارة والتقدم والرقي والمدنية، فمعاقل الدروز التي كانت تغلف أبناء الطائفة، انفتحت وجعلت أبناءها يرتادون كافة الأماكن والأقطار، وفي نفس الوقت فُتحت هي ليزورها ويصل إليها أبناء جميع الطوائف والحضارات والشعوب، التي تربت ونشأت تربية مختلفة، لها قوانينها، ولها مفاهيمها، ولها مقاييسها الخاصة التي تختلف عن مقاييس الطائفة الدرزية. ومن الطبيعي أن يثير حب الاستطلاع والتقليد، الشهوة والرغبة في نفوس الفتيات الدرزيات المحافظات، لسلوك الطريق السائد في المجتمع الخارجي. وهذه رغبة طبيعية، يمكن لكل إنسان أن يفهم دوافعها وأسبابها. ونحن لا نريد أن نحدد من حرية المرأة أو نقيّدها، بالتخويف وبتشديد العقوبات، وإنما نود أن نحذّرها من مغبّة التورط في أمور لا تناسبنا. فالمغريات خارج الإطار كثيرة، ومن الراحة، ومن شهوات الجسد البشري، أن يقلد ما يجري في المجتمعات الراقية، لذلك علينا أن نقدّم للمرأة الدرزية، التربية الصحيحة، لكي تحافظ على نفسها، فسياسة الكبت، وحبس النساء، وتقييد حركاتهن،  لا تجدي في الأوضاع الراهنة، حيث أن القوانين السائدة في العالم المتحضر، تمنح الحرية للمرأة وتقف إلى جانبها، ولا تعترف بدقائق الأمور والخصوصيات التي يشدد عليها المجتمع الدرزي. ونحن نشاهد انجرافا كبيرا ومباركا نحو العلم والتعليم، والمبادرة إلى افتتاح أعمال وإدارة مصالح تجارية، وحتى الوصول إلى درجات علمية عالية ورفيعة، إما لمصلحة مؤسسة معينة، أو من أجل التعليم الذاتي للإنسان. لكن علينا أن نهيئ المرأة الدرزية لأن تعرف واجباتها وما يتطلب منها، سواء كانت لوحدها، أو مع مرافق لها، حيث إذا عرفت ما عليها أن تفعل عن فهم، وعن إدراك، وعن اقتناع، فلا بد أنها ستصون نفسها، وتصون عرضها وتحافظ على سلامتها، كي تظل شريفة رافعة الرأس.
 والتقدم والتطور والتمدّن، لا يعني الخلاعة والفحش وإطلاق الحرية الكاملة، ففي قلب مدينة لندن التي حكمت في فترة ما معظم أنحاء العالم، والتي كانت إلى زمن غير بعيد، تُعتبر قمة التقدم والتطور، في قلب مدينة لندن المتطورة، توجد مدارس خاصة للبنات والأولاد، وتوجد عائلات محافظة، وتوجد عادات وتقاليد ما زالت ترى في البنت، والأخت، نسخة طاهرة وعنصرا جميلا نقيا من المجتمع. وقد عدُتُ قبل أيام من مدينة سيئول، عاصمة جمهورية كوريا الجنوبية، وهناك رأيت أن هذه الدولة قطعت شوطا كبيرا وعملاقا في التقدم والرقي في المجال التكنولوجي في الصناعة وفي الثقافة، وهي تضاهي الدول الأوروبية الكبرى، في رقيها، ولمست خلال وجودي لمدة أسبوع، أن المرأة الكورية تشارك في جميع الأعمال، وأنها بلغت درجة كبيرة من الثقافة والتقدم، وهي ما زالت محافظة على عاداتها، ترتدي اللباس المحتشم، وتتصرف بلياقة وحشمة وآداب، فلا تشاهد في الشوارع، الظواهر السلبية التي تشاهدها في الغرب، من لباس غير أخلاقي، ومن تصرفات غير مناسبة، وليس لأن الطقس شتاء، فقد زرت كوريا نفسها قبل سنوات في الصيف، ولمست كل الحشمة والآداب في تصرفات المرأة هناك، مما يثبت أن المرأة،وإن تقدمت وتعلمت وترقت، وبلغت شأوا كبير في المجال العلمي والصناعي والتكنولوجي، يمكنها أن تظل محافظة شريفة، وليس معنى ذلك أنها تتجرّد من عفّتها ومن طهارتها. إن عجلة التقدم سائرة على الجميع، ولا يمكننا أن نوقفها، أو نعيق تقدمها، بالكبت والضغط والحرمان. لكننا نستطيع أن نتحكّم في هذا التقدم، وهذا الرقي، عن طريق التوعية والشرح والتفسير والوعظ والهداية والتوجيه، إلى السلوك الصحيح، وإلى العمل المناسب، وإلى سير الفتيات في الطريق الذي يشرفهنّ ويكرمهن.
وإذا كانت في السابق قد برزت نساء على أعلى المستويات، حينما كان المجتمع متخلفا جاهلا، فكيف الآن، عندما تقدم المجتمع، وتزوّد بالعلم وبأحدث الاختراعات والتقنيات الجديدة.
ونحن نحتفل في هذه الأيام، بذكرى تحرير الشحار، وإعادة بناء مقام الأمير السيد قدس الله سره، الذي هدمه الكتائب أثناء الحرب عام 1982. وقد ذُكرت عشرات الحوادث التي ساهمت فيها المرأة الدرزية في المحافظة على الكيان الدرزي في حرب لبنان المجيدة، التي كانت فيها الطائفة الدرزية مهددة بالضياع والانقراض، وهذا يدلنا أن الطائفة الدرزية لم تتغيّر، وأن المرأة التي دافعت عن الكيان الدرزي أمام الصليبيين والتتار والمصريين، ما زالت تحمل نفس الطبائع والخصال، وهي تدافع عن الطائفة أمام المعتدين في القرن العشرين والواحد والعشرين. كما أننا  نحتفل في شهر آذار بعيد الأم، وكل منا يعتز بأمه ويفتخر بها، ويطلب رضاها، وهنا نستذكر ما جاء في مذكرات عطوفة سلطان باشا الأطرش، الذي تحدّث عن والدته، قائلا: "إنها كانت امرأة فاضلة عاقلة، شديدة التمسّك بمبادئ الدين وتعاليمه الأدبية والأخلاقية، صبورة على المكاره والمحن، كثيرة التردد على مجالس الذكر، ولوعة بالإصغاء إلى مواعظ شيوخ الدين والتزوّد بنصائحهم وإرشاداتهم في جميع الشؤون. ومما أُثر عنها، أنها ذهبت ذات يوم، وهي حامل بابنها سلطان، لزيارة الشيخ حسين مليح، كبير شيوخ الدين في القريا، وأخبرته بأنها حلمت حلما مروّعا، شاهدت فيه نفسها، راكبة على قوس قزح، فقال لها الشيخ حسين،  الذي روى هذه الحادثة، مفسرا هذا الحلم : ستضعين مولودا ذكرا يكون له بعون الله شأن عظيم..."
وفي نظرنا، كل إمرأة درزية، شريفة عاقلة فاضلة، يمكنها أن تتعلم، وتتقدم، وتحافظ على عاداتها وتقاليدها، ويمكنها أن تكون ذات أهمية وعظمة لا تقل عن والدة عطوفة الباشا سلطان، فالاستقامة هي التي تأتي بالعظمة، والمسلك الشريف، هو الذي يضمن للمرأة، الخلود، والهيبة، والشهرة والمجد  

وكل عام وانتم بخير..

سميح ناطور
دالية الكرمل
آذار 2010

 
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.