spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 124
كلمة العدد: قد يكون العيب فينا، ونحن لا نعلم بذلك!
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الأم الدرزية ربة البيت المثالية في التاريخ طباعة ارسال لصديق
بقلم السيدة سهام ناطور (عيسمي)

يشهد معظم الخبراء والمؤرخين والمستشرقين والرحالة الأوروبيين وغيرهم، أن المجتمع الدرزي، كان حتى منتصف القرن العشرين، من أنقى المجتمعات البشرية في التاريخ. فبسبب التزاوج الداخلي، وبسبب انزواء الدروز في رؤوس الجبال، ومحافظتهم على مقدساتهم الدينية والاجتماعية، استطاع هذا المجتمع، أن يحافظ على كيانه، وعلى استمراريته، وعلى صفاء عرقه خلال ألف سنة من التاريخ. ولم تكن هذه السنوات، سنوات هدوء وراحة، وإنما كانت مليئة بالصراعات، والحروب، والثورات، والمقاومات. وبالرغم من كل ذلك، استمرّ المجتمع الدرزي قائما، وليس هذا فحسب، بل قام الدروز في فترات مختلفة من خلال هذه الألف سنة، بإنجازات كبيرة، وبأعمال خارقة، ما زالت حتى اليوم، تشهد على وجود حضارة، وحكمة، وقوّة داخلية، نابعة من داخل هذا المجتمع العريق. ولا يمكن أن ننكر قوة الدين ورجال الدين، والتعاليم المذهبية السامية، التي كانت على الغالب تُطبّق في هذا المجتمع. ولا يمكن أن ننكر، ظهور قادة وسياسيين وعسكريين من الدرجة الأولى، حملوا لواء الدفاع عن هذا المجتمع، وحاربوا من أجله، واستماتوا في سبيله. ولا ننكر دور الشباب الدروز المحاربين البواسل، الذين ضحّوا بأغلى ما عندهم، من أجل هذا الكيان المعروفي الراسخ، لكني أعتقد، أن الدور الأول والرئيسي، وأن العامل الراجح، والسبب المباشر، لرصانة ونقاوة وصمود المجتمع المعروفي، على مدى ألف سنة، هو دور الأم الدرزية.
 الأم الدرزية، هي أساس البيت، هي الروح الحيّة فيه، هي الملجأ الأمين لأولادها وزوجها، الذين عادوا من الحقل منهكين، وعادوا من الحرب مثخنين بالجراح، وعادوا من سفراتهم وجولاتهم متعبين، فوجدوا الحضن الدافئ، والبيت المريح، والوجبة المنعشة، والابتسامة الحلوة، والمعاملة اللطيفة، والحنان الفائض، وكل ما يمكن أن يتطلبه إنسان من راحة وطمأنينة في معقله وبيته ومأواه. لقد كان الرجال يذهبون إلى أعمالهم قبل الفجر، وكانوا مزوّدين بزادهم، وكل متطلباتهم، حيث كانت الأم تستيقظ قبل زوجها وأولادها بساعات، لتهيئهم للخروج إلى العمل. وخلال النهار، كانت هذه الأم، تقوم بكل واجبات البيت، من إعداد الخبز والطبخ وغسل الملابس، وتربية الأولاد وصيانتهم، والسهر على راحتهم، والعناية بالمنزل وبالحديقة، فكان لكل بيت مساحة حوله، يربي فيها الدجاج أو الحيوانات الداجنة، ويزرع فيها بعض الخضروات، وبعض الثمار، وهذه تتطلب الإشراف المستمر، والعناية اللازمة. وكانت الأم تقوم كذلك بخياطة وحياكة الملابس لأفراد البيت، وكانت تحضر الحلوى والمنتجات اللذيذة، وكانت تقوم بوظائف كثيرة أخرى مماثلة، وهي تعمل كل ذلك، بدقة، ونظام، وإخلاص، هي ومن يتواجد معها في البيت من بنات غير متزوجات، أو من زوجات لأبنائها. فكان الأب والأبناء مطمئنين، أن كل الأمور تجري في بيوتهم على أحسن وجه، وفي أفضل حال، فكانوا يخلصون لعملهم في الأرض، أو في ساحة القتال، أو في أي مواجهة خارجية، معتمدين أنهم، عندما سيعودون إلى البيت، سوف يجدون كل ما يتطلبون.
 وقد قامت ربة البيت بأكثر من ذلك، ففي أيام الصيف، حيث الحصاد والدرس على أوجه، كانت الأسرة كلها تنتقل من البيت إلى الأرض والبيدر، وتساعد في إنجاز هذه الأعمال، وكانت ربة البيت تقوم بأعمالها البيتية، إما في ساعات المساء، أو في الحقل، وذلك في أصعب الظروف. وحتى في هذه الأماكن الصعبة، كانت ربة البيت توفر لأهل بيتها كل أسباب الراحة.
وفي نفس الوقت، كانت الأم الدرزية، امرأة متدينة، تقوم بكافة واجباتها الدينية، من مطالعة، وحفظ، وتعليم الأولاد، حيث فرض مذهب التوحيد على المؤمنين، أن تتعلم المرأة أصول الكتابة والقراءة، لكي تستطيع أن تحفظ أصول دينها، وأن تتعمّق في مبادئه، لكي تتمكّن من نقله للأولاد ومن تطبيقه. ويذكر الرحالة والمؤرخون، أنه في القرون الوسطى، عندما غرق الغرب في مستنقعات الإقطاع، والتخلف، والصراعات، وعندما ساد الجهل والأمية، بلدان الشرق تحت حكم المماليك، والإمبراطورية العثمانية الجاهلة، كانت المرأة الدرزية، هي الوحيدة تقريبا، التي تعرف القراءة والكتابة، وتنسخ أصول دينها، وتحاول أن تحفظه، وتعيده، وتلقنه لأولادها. كل ذلك، في حين، كان حتى حكّام وقادة جيش، يقطعون الرؤوس، ويعلنون الحروب، وهم أميون، ولا يعرفون القراءة والكتابة.
هذا بالنسبة للمرأة العادية، ربة البيت، التي قامت بواجبها، بنفس الإخلاص والأمانة في جبال الشوف ، في وادي التيم، في ذرى حوران، ومرتفعات الجولان وأعالي الكرمل والجليل، نفس المرأة، نفس التربية، نفس التصرف، نفس السلوك، ونفس الإنجازات. هي، هي، في كل بيت، وفي كل قرية من التجمعات الدرزية العامرة. هكذا سندت الأم الدرزية مجتمعها، وحافظت على صيانته، وعلى استمراريته، وعلى تجاوزه لكافة المخاطر، بحكمتها، وحنكتها، وبعونه تعالى.
 لكننا شهدنا على مر التاريخ، ظهور شخصيات نسائية درزية لامعة وبارزة، إمّا في دور أم حاكم، أو شخصية فذة، وإما في دور قيادي طلائعي، حافظت فيه الزعيمة النسائية الدرزية، على صلابة القيادة، وأصول الزعامة، وعنفوان الريادة، وفي نفس الوقت، حافظت على كرامتها، وعلى تقاليدها، وعلى أصول دينها، وما يتطلبه منها، من شرف، ومن حشمة وتواضع. والأسماء الدرزية كثيرة، وهي معروفة، ولا حاجة لذكرها، فهي تظل هدى ومنارة وراية أمام، كافة نسائنا في مختلف العصور. وقد شهد التاريخ كذلك، وجود شخصيات نسائية ذات مستوى ديني رفيع، مما يدلّ، أن المذهب الدرزي، الذي ساوى دينيا بين المرأة والرجل، أعطى المرأة الدرزية، كل الوسائل، لأن تقوم بكافة الواجبات الموجودة في المجتمع، وفي نفس الوقت تحافظ على رزانتها .
ومن هنا نستنج، أن المرأة الدرزية المؤمنة العاقلة، تعرف ما لها وما عليها، وهي المطلعة على أصول دينها، والراغبة في بناء مجتمع قوي رصين، تستطيع أن تقوم بكل واجباتها، وأن توفق بين الأمومة، والرعاية الصحية والأخلاقية للأولاد، وبين أشغال البيت، وبين دعم الأسرة، وبين كل الواجبات الأخرى. وكل من يريد أن يتأكد من هذه المواضيع، عليه فقط أن يراجع التاريخ الدرزي الناصع، بما فيه من أحداث، وشخصيات، وأسماء، وأمور برّاقة لامعة، تبعث على الفخر والاعتزاز، وتثبت أن الأم الدرزية هي ربة البيت المثالية في التاريخ. 


 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.