spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 43
تاريخ القضاء المذهبي للدروز في اسرائيل
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد:أين أنتما: يا شيخ "أبو علي"، ويا شيخ "أبو عسلي"؟! طباعة ارسال لصديق
ورد في مذكرات عطوفة سلطان باشا الأطرش، حينما تحدث عن طفولته، أن والده "ذوقان الأطرش، عندما تدين، ولبس العمامة، وأرخى شعر لحيته، طلب من معارفه وأهله والمجتمع، ألا ينادوه باسم ابنه البكر "سلطان" وإنما باسم أخيه الأصغر، علي أي "بأبي علي" بدل "أبو سلطان"، وذلك تأكيدا لزهده بالتسميات، التي تعني الجاه الزمني، وتدخل في باب الكبرياء والعظمة." هذا هو ذوقان بن مصطفى الأطرش، أحد أكبر القياديين والأبطال الدروز في تاريخ الجبل وسوريا، وأحد أنبل الزعماء، وأحد أكرم الرجال، وأشجع المحاربين، وأحد المشايخ الأتقياء.
لقد تعودنا خلال سنين طويلة، أن نسمع قصص الأولياء الصالحين، وأن نقرأ عن كبار المشايخ الأجلاء، والزعماء والقياديين، عن بطولاتهم، عن تواضعهم، عن غيرتهم، عن تضحياتهم، عن تسامحهم، وعن عشرات الفضائل الأخرى التي تحلوا بها، وتميزوا بحملها، واشتهروا بكونهم من أقطابها، ومن السائرين على هديها.وكنا دائما، نتغنى بأسماء رنانة براقة لامعة، ظهرت في تاريخ الطائفة، وتركت بصمات وآثار ومباهج في قلوب الناس، وفي عقولهم، وكان فيها رموز، وفيها عبر، وفيها دروس وأمثال حسنة، للإقتداء والتعلم وتحديد الهدف والمصير.وقد تربينا على المعرفة، أن كل شيخ، هو رمز للتواضع، وكل متدين هو مثال للتقوى، وكل متعمم هو قمة في السلوك الحسن، واللفظ السليم، والمعاملة الرقيقة الناعمة الأدبية الخلوقة.
 وما زلنا حتى اليوم، نفتخر ونعتز بكبارنا وبرجال الدين فينا، البعيدين عن الشبهات، وعن التصرفات غير اللائقة، وعن استعمال مراكزهم وعمائمهم، للظهور ولفرض رأي، ولإرغام المجتمع على فعل شيء غير مستحب. وفي قرانا، وفي مجالسنا، وفي بيوتنا، وفي كل مكان تواجدنا ونتواجد فيه، كنا نشاهد التقدير والاحترام لكبارنا في السن، ولمشايخنا، وللمتعلمين فينا، وللزعماء والقادة، وللمجربين، وأصحاب الأعمال، وللبالغين في أوساطنا، وخاصة من قبل الشباب الصغار، ومن المشايخ، ومن المتدينين، ومن الذين أخذوا على عاتقهم المنهج الديني والسلوك التوحيدي. فقد علمونا، أن هذا الخط ،خط المتدينين، هو خط مستقيم، لا انحراف، ولا اعوجاج،  ولا لف أو دوران فيه، وأن من ينتهج هذا الطريق، تصغر نفسه، ويزيد تواضعه، ويحترم الآخرين، ويسمع كلمة من هو أكبر منه، ويبذل كل ما في وسعه، من أجل رضى المشايخ والكبار والمسؤلين. وكنا أحيانا نصطدم بشاب شرس الأخلاق، يتصرف بفظاظة، فنقول، إنه غير مؤدب ولا شيء يردعه، وكنا نتعزى بالحقيقة، أن هذا الشاب، لو كان متدينا، لكانت تصرفاته أسلم، وسلوكه أحسن، فعلى الأقل كنا نعزي أنفسنا بوجود طبقة من الشباب المتدين، تحافظ على الأخلاقيات، وتخشى الله، وتشكل دائما نموذجا حسنا، نضرب المثل بها، ونطلب من الجميع التقيد بأعمالها، والتحلي بصفاتها، والسير في طريقها. وما زال هذا الوضع مستمرا، والحمد لله، حتى اليوم، لكن ما يزعجنا ويؤلمنا، هو ظاهرة جديدة، بدأت بشكل أفراد قلائل، وأخذت تكبر وتتفشى، وأصبحت واضحة بارزة لا يمكن تجاهلها، وهي ظاهرة وجود قلة من شباب متدينين، يلبسون العمامة والزي الديني، لكنهم بعيدون كل البعد عن الدين، وأهله، وأخلاقه، وتعاليمه، ومبادئه، وأصوله. هؤلاء يسمحون لأنفسهم، التصدي للكبار، والتحدث معهم بالصراخ والصياح واللوم والتقريع، كل ذلك بوجود مشايخ ورجال دين وجمهور كبير، لكن لا شيء ولا أحد يردعهم، فيتمادون بالتطاول على من هم اكبر منهم، ومن المفروض عليهم احترامهم، ولا يسمعون لأحد ولا يرتدعون ويركبون رؤوسهم.
 ونحن كنا، وما زلنا من دعاة الديمقراطية، وحرية الرأي والتعبير، ونظل كذلك كل حياتنا، كما أن تعاليم ديننا، توجبنا أن نسمع الكبير والصغير، لكن علينا كلنا، كبارا وصغارا، متدينين وغير متدينين أن نكون مؤدبين، وأن نحترم من هم اكبر منا، ونستمع لهم، ونتفاهم معهم ونستنير برأيهم، لذلك لا يمكن أن نسمح لتلك الفئة الشاذة، أن تحول الديمقراطية إلى فوضى، وحرية الرأي إلى تطاول، والتشجيع إلى وقاحة.
 لقد وقف رجال الدين الحقيقيون،على مر الأيام، وخاصة الشباب منهم، في مئات المواقف البطولية في تاريخ الطائفة، يدافعون ويستميتون في الذود عن الكرامة، والعزة للطائفة، لكنهم كانوا دائما جنودا مجهولين، صمتوا حينما وجب الصمت، وفسحوا المجال للكبار أن يقرروا، وقاموا هم بالتنفيذ. أما أن تنقلب الآية، وتتحول مقرراتنا إلى غوغائية وهمجية وعنتريات، من قبل أشخاص معقدين يحتاجون إلى ألف طبيب نفساني، فهذا ما لا نريده، ولا نقبله، ولا يمكن أن يستمر. وعلى كل شاب، مهما كان متدينا، ومهما كان متحمسا، ومهما كان مندفعا، ومهما كان غيورا، أن يعلم، أن آداب الدين قبل الدين، وأن الإنسان يتدين ويحفظ ويتعلم، لكي يصقل ذلك من شخصيته، ولكي يقوم بواجبه في المجتمع، لا لكي يتواقح، ويتصرف بفظاظة وبقلة أدب.وهذه الظاهرة الغريبة عنا، علينا أن نستأصلها من جذورها، وأن لا نسمح لها أن تتفشى وتكبر. وعلينا أن نعود لجذورنا وتاريخنا، نتعلم منهما الدروس والعبر، وطرق التصرف والشعور مع الآخرين.
وفي تصرفات الشيخ ذوقان الأطرش_ أبو علي، وفي تصرفات الشيخ علي أبو عسلي، درس ومغزى وعبرة، فقد جاء في كتاب: " العامية والانتفاضة الفلاحية في جبل حوران"  عن انتفاضة  عام 1888 في الجبل، أن وفدا من الفلاحين من أنصار العامية، قدم إلى مدينة السويداء، بقصد دعم العامية ضد خصومها من المشايخ، ومن يناصرهم من الفلاحين، وقد نزل هؤلاء، في مضافة الشيخ أسعد عزي، وهو من وجوه السويداء، وأحد قادة العامية، وتقع مضافته، مقابل مضافة الشيخ علي أبو عسلي، وهو من وجوه السويداء أيضا، لكنه من المعادين للعامية، ومن المؤيدين للمشايخ. واستقر رأي المجتمعين على مهاجمة المشايخ وأنصارهم، وفي مقدمتهم الشيخ علي أبو عسلي، وذلك بعد تناول طعام العشاء، الذي كان يحضره أهل بيت الشيخ أسعد عزي. وصدف أن السمن في بيت الشيخ أسعد كان قد نفذ، فأرسل الشيخ أسعد زوجته إلى الجيران من العامية، لاقتراض السمن، لكنها لم تجد، وعادت خالية الوفاض، فشاهدها علي أبو عسلي، وقدم لها السمن، طالبا إبلاغ أسعد عزي، وهو خصمه، أنه أرسل له السمن، حرصا على عدم وقوعه في الحرج أمام ضيوفه.
قدر أسعد عزي هذا الموقف، من علي أبو عسلي، وعندما وضع الزاد للضيوف، وأسال السمن على المنسف، قال لهم: "تفضلوا على خير الله، وخير علي أبو عسلي" ففوجئ الحضور جميعهم، لأنهم آتون بقصد الهجوم على المشايخ وأنصارهم، وفي مقدمتهم علي أبو عسلي، واستكبروا هم هذا الموقف، ورفضوا تناول الطعام، إلا بعد حضور علي أبو عسلي، إلى مضافة أسعد عزي، وتناول الطعام معهم.وكان ذلك سببا في تأجيل الصدامات وتخفيفها...
وهكذا، مع حلول الزيارة السنوية  لمقام سيدنا الخضر (ع) في كفر ياسيف، وعندما تلتئم جموع المشايخ، من كل حدب وصوب في المقام المقدس، نطلب من أولائك "المتدينين" الذين نقصدهم، أن يشعروا برهبة المقام، وأن يتقيدوا بما تعلموه، ويدعون أنهم يحفظونه، وأن يخجلوا من أنفسهم، ومن ربهم، ومن الذين يعلمون ما في أسرارهم، وأن يعودوا إلى الصواب، والطريق الصحيح، ونقف وإياهم، خاشعين أمام الضريح الكريم، طالبين صفو الخاطر والغفران، نفتش عن الدروس المضيئة في تاريخنا، وصوت حالنا، يردد ويقول: أين أنتما يا شيخ أبو علي وشيخ أبو عسلي؟! 



وكل عام وأنتم بخير..

سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون ثاني 2010

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.