spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 98
مقام النبي شعيب (ع) في كتب المؤرخين والرحالة
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 137
العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133


 
أوراق أدبية: حـبات الزعــرور طباعة ارسال لصديق
قصة ندى امين الاعور، من مجموعتها القصصية: " ليتها صبي"

في أواخر القرن التاسع عشر حدثت فصول هذه الحكاية في ضيعة جبلية صغيرة . طفلة في التاسعة من عمرها كانت "ثلجية" وحين ساعدت والدها في رعاية بقرة حلوب وبضعة نعاج. ذات يوم، فاجأها نجيب، وكان طفلا لا يتجاوز العاشرة، بكمشة من حبات الزعرور الناضجة. قدّمها إليها وقال : أنا أحبك! ثم ولّى راكضا بأقصى سرعته ناحية قطيعه.
مرّت سنوات وسنوات... فأصبحت "ثلجية" حسناء.توقفت عن رعي القطيع والتحقت بالعمل في مصنع للحرير، شيئا فشيئا، نشأت بينها وبين ملحم، ناظر العمال في المصنع، علاقة حب لم يلبث أن لاحظها الجميع. افتضح السر وابتدأت الألسن بتناقل الأخبار. لكن ملحما، لم يلبث أن أخرس تلك الألسن، بعد أن أعلن خطوبته على "ثلجية" بشكل رسمي. فحسم الموضوع برمته، وأصبح أكثر حرية في السلام والكلام والنظر...
ذات عشية، زار الخطيب دار حبيبته . فأقنع أهلها بالموافقة على فكرة سفره إلى البرازيل، فالتجارة هناك، تدرّ أرباحا طائلة وثروات.. يجمعها ملحم ليعود إلى القرية. فيبني لعروسه بيتا حديثا سطحه من القرميد الأحمر.. تلفه حديقة غنّاء يزرعها بشتى أنواع الفاكهة والخضار.
سِر يا ولدي، على بركة الله..
قال له والد الفتاة، ثم أضاف : هذا مسعود ابن جليلة.. لم يغب أكثر من سنتين على القرية... لم يكن له حول ولا قوة قبل سفره...
عارضت "ثلجية" السفر بشدة . أنا لا أحلم بقرميد أحمر يظللني. قالت وأردفت مستطردة :
بل إني أحلم بعائلة صغيرة أكوّنها مع ملحم. حتى ولو أمضيت العمر كله في غرفة صغيرة, سأعمل وإياه ليل نهار، سنجمع القرش على القرش... لن أستطيع احتمال الفراق...
لكن والدها سخر من عواطفها. فذهب البرازيل له رنين ساحر بالنسبة إليه.. أما ملحم، فأمسك يديها بكلتا يديه حين خرجت تودّعه. قال لها:"ستكونين مليكة على داري كما أنت مليكة على قلبي... سوف أريحك من المشقة والعمل... سألبسك أفخر الحلل وأبهاها... سأزينك بأغلى مصاغ.. سنأكل الشهد يا "ثلجية"."
لم تُجب ثلجية خطيبها... بل مسحت دمعة يتيمة كرجت على خدها. ثم لوّحت يبدها تودّعه بعد أن تركها وسار.
مرّت الأيام والأسابيع والشهور.. لم يرسل ملحم خلالها كلمة أو مكتوبا.. كبّل الهم نفس ثلجية فأقعدها عن العمل.. وأصبحت تمضي أوقاتها لاهية عمّا يدور حولها من أمور... وأخيرا، جاء الخبر اليقين فهزت المصيبة أركان القرية كلها.. اثنا عشر شابا من القرية كان ملحم من ضمنهم غرق بهم المركب الذي كان يقلهم إلى البرازيل... لم ينجو أحد من الركاب. ذهبت جثثهم طعاما للأسماك.
صعق الحزن الفتاة وكاد يذهب بعقلها... تاهت في غياهب من اللوعة والأسى والأسف.. لزمت دارها شاكية باكية ولا من عزاء لمدة طويلة من الزمن. هزل جسمها وشحب لونها. فجزع والداها من آخرة لا تُحمد عقباها، وافتكرا مليا علهما يجدان حلا مناسبا.
العودة إلى مصنع الحرير غير واردة على الإطلاق يا امرأة. حدث والد ثلجية زوجته. ثم أضاف قائل:
ذكرياتها في ذلك المكان كثيرة، سأتدبر لها عملا آخر؟
خرج الرجل من منزله ولم يرجع إلا عند العصر، توجه إلى الزريبة قبل ان يدخل العلية. طلب إلى زوجته إعداد طعام العشاء ونده على ابنته، ثم قال :
اسمعي جيدا، يا ثلجية، لأكثر من سنة وأنت على حالك هذه. سامحني الله كم كنت مخطئا يوم شجعت ملحما على السفر.. أنا لا ألومك، يا ابنتي. احزني فالحزن حق... لكن لا بد لك من العودة إلى ممارسة عمل ما. لقد اشتريت لك قطيعا صغيرا من الخراف والماعز. هلا وافقت على رعايته؟1 فالطبيعة خير ملجأ للأتراح.
لم تجل الفتاة ولم تنبس شفتيها بكلمة. لكنها التقطت دمعة كرجت على خدها. ساد صمت موحش لفترة من الوقت، قطعه صوت الأم التي دخلت فجأة وهي تحمل بين يديها منجيرة قديمة من القصب، أعطت المنجيرة إلى ابنتها وقالت :
"كم كنت بارعة في العزف على القصب، يا ثلجية"...
أشرق صباح اليوم التالي لتبدأ الفتاة الحزينة صفحة جديدة من حياتها. واجهت الأيام وحيدة متنقلة بقطيعها من تلة على تلة ومن وادٍ إلى وادٍ. لطالما رددت الوديان صدى صوت منجيرتها المبحوحة.
أما نجيب، فبعد بلوغه الحادية عشرة من العمر، التحق بالعمل مع والده مكاري الضيعة. أصبح يرافقه في حله وترحاله. فأمضى معظم الأوقات بعيدا عن القرية وعن مشاكلها. أتقن الفتى كاره وتعلم اجتياز المسالك الوعرة في الجبال وفي السواحل، لم يواكبه في الطرقات سوى صوت أبيه صادحا بالغناء حينا.. ورنين جرس الدابة في كل الأحيان.
في بيروت، كانت محطة المكاري وابنه ودابته في خان عتيق تملكه أرملة غريبة لها ابنة وحيدة اسمها ميريل... كانت ميريل شقراء طويلة زرقاء العينين. وبّتها والدتها على غنج ودلال. سلب جمالها لب الفتى القروي منذ وقع نظره عليها أول مرة. فأغدق هداياه من عسل وجبن وكشك وصعتر وخضار على أمها. كل ما استطاع على ذلك سبيلا. وبالسر عن والده.. لذا فقد كتمت المرأة أمر غرامه بعد أن شجّعت ابنتها على التودد إليه ومعاملته بالحسنى.
بعد وفاة والده، أصبح الفتى أكثر حرية... فضاعف هداياه وضاعف زياراته. في ليلة من الليالي، عندما كانت الأرملة غائبة عن الخان في رحلة عمل إلى حلب، دعت ميريل نجيبا إلى موافاتها إلى غرفتها بعد منتصف الليل بقليل. وهكذا ، انتظر الشاب حتى أخلد النزلاء كلهم إلى الراحة واستسلموا للنوم، ثم سار متعثرا بخطاه. قرع باب الغرفة قرعا خفيفا قبل أن يفتحه ويجد الفتاة على حال يرثى لها من البكاء والنحيب والعويل! بعوضة سامة كانت قد قرصت زندها فآلمتها ألما شديدا لم تقوّ على احتماله. ربت الشاب على كتف حسنائه محاولا التخفيف عنها. ابتسم لها وقال :" في قريتي ، حيث ستعيشين بعد الزواج، هناك الكثير من البعوض والزراقط والزنابير! يجب أن تهيئي النفس على مواجهتها واحتمالها... هيا، امسحي دموعك يا حبيبتي، فالبعوضة التي قرصتك بيروتية متمدنة لا قدرة لها على الأذى! "
أين تريدني أن أعيش؟
مسحت دموعها وقالت له متناسية آلامها المبرحة !؟
في قريتي ، أجابها.
قالت : لا لا هذا محال.
إن أنت أردتني زوجة لك، عليك أن تعيش معنا هنا ببيروت، تساعد أمي في إدارة الخان وتريحها من عناء السفر إلى دمشق وحلب كلما احتاجت إلى شراء حوائج وأشياء، أكملت بإصرار. هبّ نجيب واقفا وقد أثار حديثها حميته، ثم قال لها: " وهل تريدين مني أن أرضى بذلك! أنه أمر منكر.. إن أرادت أمك بيع خانها والعيش معنا في القرية، فأهلا وسهلا بها. أما أن أقطن معكما في الخان كخادم لكما ولزبائنكما الذين لا اعرف لهم أصلا ولا فصلا ، فكلا وألف كلا".
قطّبت الفتاة جبينها، فهي كانت قد حدثت أمها مرارا واتفقا على الأمر. ظنت بان نجيبا لن يرفض لها طلبا وهو على ما كان عليه من كرم وغرام.
لن أرحل معك إلى القرية، يا نجيب.
قالت حاسمة الحديث.. نظر إليها الشاب نظرة طويلة قبل أن يسرع إلى الخارج. فك رسن الدابة ورحل... ابتلعه الظلام وهو في طريق عودته إلى القرية... قطع الساعات الطويلة بالتفكير والأسف. .. أطنان من العسل واللبن والجبن ... و... كلها ذهبت هدرا... ها هو يعود إلى القرية بخفي حنين، بعد ان كان أمله أن يعود بالحبيبة الجميلة عروسا تضيء منزله بحسنها الرائع الأخّاذ... لكن هيهات فابنة المدينة هي للمدينة... أما غرامه الساذج، فلم يكن في أسابيع أمضاها نجيب في راحة واستجمام ومراجعة حسابات.. وأخيرا، اهتدى الشاب إلى حل أرضاه. باع الدابة واعتزل كار الحل والترحال نهائيا. اقتنى لنفسه قطيعا صغيرا من الماعز والخراف. فالطبيعة كانت تستهويه منذ نعومة أظفاره,. وهكذا، عاد إلى أحضانها متنقلا بقطيعه الصغير.
كان الراعي الجديد يمضي وقته بالغناء تارة، وطورا بقراءة كتب تروي سير أبطال كعنترة والزير وأبي زيد الهلالي. لكن صوت عزف حزين على القصب، أتى مع النسائم الطرية، كان يسحر أسماعه ويسرقه فيصيخ الاستماع ويغمض عينيه. وهو كان قد عرف بما حل ب "ثلجية" من حزن، لكن أحدا لم يخبره بأنها كانت عازفة ماهرة على القصب.
بعد حين/ عنّ لنجيب بأن يقترب بقطيعه ناحية مصدر الموسيقى الشجية. سار باتجاه الصوت... وصل إلى مرجة خضراء واسعة شاهد فتاة قمحية هزيلة، جالسة على صخر كبير في وسط المرجة. حولها قطيع صغير يرعى الأعشاب الخضراء. وهي لاهية عنه تنفخ الأنفاس المتقطعة في منجيرة من القصب مرسلة الألحان العذبة.
عرف نجيب العازفة في الحال، فترك قطيعه يلحق بقطيعها... وركض بأقصى سرعته ليجمع كمشة من حبات الزعرور الناضجة... فاجأ "ثلجية" بها وقدمها إليها، وقال لها :" هذه الثمار لك.. كليها كلها.. هل تذكرين؟!"
ابتسمت ثلجية لنجيب الذي اقتحم وحدتها أكلت الثمار كلها مستلذة الطعم. أما هو، فجلس إلى جانبها على الصخرة. نظر ناحية القطيع، فلم يستطع التفريق بين عنزاته وعنزاتها... بين خرافه وخرافها... ضجت ذكريات الطفولة في رأسه فسألها:" ثلجية، هل تتزوجينني؟!"
ألقت الفتاة برأسها المثقل بالأحزان على كتفه. لم يطل صمتها كثيرا فأجابته:" نعم أتزوجك.. لكن، إياك أن تفكر بالرحيل! 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.