spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 133
بيت بني معروف عسفيا
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: الجسر طباعة ارسال لصديق
كان ذلك أياما معدودة قبل عيد الأضحى المبارك، وفي وسط قرية يركا، قلب الدروز النابض، وفي موقف عظيم مهيب، وأمام جلل الموت، وأمام فظاعة القتل والعنف...هنا، وفي جو مشحون ومكهرب، وقف الشيخ أبو وسيم أمين كنعان، أمام نعش كريمته البريئة الضحية،التي ذُكر أنها توفيت في وضع مأساوي وحزين، فاجتمعت الحشود الدرزية والتأم المئات من أبناء الطوائف الأخرى، من معارف الشيخ أبي وسيم وأصدقائه، وفي هذا الموقف الرهيب، أعطى الشيخ أبو وسيم، أجمل درس في الأخلاق، وأسمى تضحية، وأروع مثل في التسامي والتعالي عن الحقد والضغينة والانتقام، وزاد في  دستور التسامح بندا جوهريا، معلنا أمام الملأ، أن لا حقد لديه، ولا تفكير في الانتقام، وأنه يعتبر هذا الحدث من الأقدار الربانية، وطالب بكل عطف وحب ورعاية واهتمام، أن يقف والد زوجها إلى جانبه، كشريك في المصاب، معلنا أن هذا الموقف، يحسم كل تفكير في أي إجراء يمكن أن يحدث...
 هذا الموقف الجلل، وفّر على عائلتي الزوجين، وعلى أهالي قرية يركا، وعلى الطائفة الدرزية، وعلى الشرطة والمحاكم، وعلى لجان الصلح، كل الجهود والمعاناة والمحاولات التي تُتخذ عادة بعد وقوع حادث قتل. وكم عانت قرانا في كل مكان، وعائلاتنا من مخلّفات القتل والعنف، حيث انجرف أهل القتيل، وراء العاطفة، وبعض العادات القديمة ونادوا بالثأر، وحاولوا الانتقام. وهنا، علّم الشيخ أبو وسيم الجماهير الحاضرة، والأجيال القادمة، كيف يجب التصرّف بحالات كهذه. والشيخ أبو وسيم، يأتي في أعقاب فضيلة المرحوم الشيخ أبو حسين لبيب أبو ركن، الذي كتبت الأقدار أن يتوفى نجله، المرحوم بركات دهسا، فأبى ألا يدفن الجثمان، إلا بعد أن تسرح الشرطة المواطن الذي دهسه، ليحضر الجنازة. وقد سمعنا وقرأنا وشاهدنا حوادث عدة وقعت عند إخواننا الدروز في جبل الدروز، وفي لبنان، عن أعمال الصفح والتسامح المشابهة، ومنها تلك القصة عن شيخ درزي، استضاف شيخا تقيا مثله مع نجله، وعندما لعب الولدان، تسبب الولد الضيف بمقتل زميله ابن المضيف، فاعتبر المضيف هذا الحدث قضاء وقدرا وصفح عن القاتل. وكذلك عن ذلك الشيخ الدرزي، الذي حل عنده ضيف، وتبين بعد ذلك، أن هذا الضيف قتل ابنه خطأ، فقال له: يا ابني، أنا اعتبر الموضوع قضاء وقدرا، ولا تخف مني، والخوف هو من أقاربي أن يصيبوك بشر. فقام ورافقه متسترا إلى خارج القرية، ليحفظ سلامته وحياته وأطلق سراحه. وكل واحد منا يذكر عدة حوادث، وقعت في دالية الكرمل وقرى الجليل،منها في قرية يانوح وقرية بيت جن وغيرها، عن  قتل عن عمد وعن غير عمد، فترفّع أولياء الأمر، وصفحوا، وسامحوا، واعتبروا الموضوع قضاء وقدرا.
والتسامح، هو أحد شيَم الطائفة الدرزية، ويوضع في قمّة أخلاقياتها، وفي ذروة مناقبها. ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، كان بودنا أن نسهب في سرد وذكر أهمية التضحية والتسامح والمغفرة والتعالي، لكننا نكتفي بسرد موقف الشيخ أبي وسيم، لأن فيه كل الدروس، وفيه كل القيم، وفيه كل العبر، آملين، أن يكون هديا ومنارا لحوادث قد تقع في المستقبل، نرجو من الله، أن لا تقع، لكن إذا وقع القضاء، فليعرف أولو الأمر كيفية التصرف والتعامل.
ومع تقدمنا وتطورنا كطائفة، نشعر أننا نفقد الكثير الكثير من المزايا والمناقب التي تحلّينا بها، والتي اشتهرنا بمزاولتها، والتي ميّزتنا عن الآخرين. فكل دارس لتاريخ الطائفة الدرزية، وكل مطلع على ما ذكره المسافرون والرحالة والمستشرقون عنها، يلمس ان الطائفة الدرزية، كانت على مر القرون والسنين، طائفة مميزة، لها جذور عريقة، ولها تصرفات سامية، ولها مواقف خالدة، يعجز عنها أناس في كبرى الحضارات والمدنيات والإمبراطوريات العريقة.
 كانت الطائفة الدرزية وما زالت، فئة لا تعد المليوني نسمة في هذه الأيام. وكانت قبل ذلك، اقل من هذا بكثير، تعيش في عالم يعد المليارات من الناس، لكن الطائفة الدرزية مع صغر حجمها، وقلة عددها، كانت تثبت وجودها في المناطق التي تعيش فيها، وكان يُحسب حسابها، وكان الجميع مذهولين ومشدوهين أمام مواقف وحوادث وتصرفات خارقة لزعمائها، او لها كمجموعة.
 وكان أقطاب الطائفة، شيوخا وزمنيين، يدعون دائما إلى وحدة الصف، وإلى التكاتف، والتعاضد، وإلى وحدة العمل المشترك، والتراص، والمساعدة، والإغاثة للآخرين، والعطف على الضعفاء، ومساندة المحتاجين، ورعاية المعوقين والمعوزين. كنا على هذه الصفات في الماضي، عندما كان كل واحد منا، يحمل الفأس بيد والسيف باليد الأخرى، ليدافع عن وجوده وكيانه. هكذا احتضنا بالتصميم والعمل الشاق رؤوس الجبال، وبنينا فيها قلاعا وقرى محصنة، وهكذا حوّلنا السفوح الجرداء إلى بساتين غنّاء. وهكذا حافظنا على إيماننا، وعقيدتنا، ومبادئنا، وافتخرنا بها وبذلنا الغالي والرخيص كي لا تصاب بأذى، كي لا يمسها غريب، وكي تبقى مجتمعاتنا صافية نقية من كل شائبة.
أما اليوم، وقد تقدّمنا وتحضرنا وتطورنا وتعلمنا، ودخلت علينا وجوه غريبة، وأفكار شاذة، وسموم الحضارة، وبدل أن نكتسب ونحصل على الإتقان والتقدم والعلم من المدنية، أخذنا منها الشذوذ والانحراف، وحاول البعض منا، أن يتبنى أفكار غريبة، مدّعيا التقدّم والعلمنة والتبهرج بتقنيات العصر الحديث، لكننا نأسف أننا نكاد نفقد السيطرة، وأننا نضيع الكنوز العريقة التي حافظنا عليها وحافظت علينا،وأننا على وشك أن ننصهر في المجتمعات الأخرى، مبتعدين عمّا وحّدنا وألقانا.  
كل ما علينا أن نفعله هو أن نراجع ماضينا وتاريخنا وأن نتعلم من تصرفات زعمائنا وحكمائنا وقادتنا في السابق وأن نسدد خطانا بالشكل اللائق الصحيح الذي يتمشى مع مبادئنا وتقاليدنا وفي نفس الوقت يواكب التقدم والحضارة وهذا أمر ممكن. وعلينا كذلك أن نتعالى عن الصغائر، وأن ننظر الواحد لللآخر بعين العطف والود والدعم، وليس بالحسد والتحطيم والدس والتحضير، وهيهات تعود تلك الأيام التي يتحدث عنها الدكتور رياض غنام، في كتابه  عن جبل لبنان في القرن التاسع عشر، وفيه وصف لحياة الدروز قديما، وطريقة معيشتهم، والمبادئ التي نشأوا عليها، وهو يذكر اصطلاحا كان سائدا لغة وواقعا وهو "لفظة العونة" وهي المساعدات والإعانات التي كانوا يقدّمونها بعضا لبعض، وكان أبرز مظاهرها جلب الجسر لإنسان يبني بيتا جديدا له، فبعد أن يشيّد الجدران وينظم السقف يكون بحاجة إلى جسر مركزي يدعم سقف الغرفة التي يبنيها، وكانت العادة أن يذهب جميع شبان القرية إلى الغابة القريبة، فيقطعون شجرة مناسبة، ويهيئون جذعها، ليُستخدم كجسر، ثم يحملون الجذع على أكتافهم، مسافة قد تصل إلى عدة كيلو مترات، وهم يهزجون ويغنّون. وفي الدار تستقبلهم النساء بالزغاريد ورش الرز، ثم يتعاون جميع الشبان على وضع الجسر فوق الجدران، ليدعم سقف الغرفة حيث يتم البناء. ويجري بعد ذلك احتفال ووليمة كبيرة يشترك فيها  جميع أهالي القرية. وكان الجسر في حياتهم ليس فقط إشارة إلى بيت جديد، إنما كان الجسر هو العامود الفقري لحياتهم في كل مرافق الحياة.
ونحن اليوم ومع اقتراب ليالي العُشر وعيد الأضحى المبارك نبتهل إلى الله، سبحانه وتعالى أن يحفظ هذه الطائفة، وان يحميها، وان يذود عنها، وأن يظل الجسر عامودا فقريا لها معنويا، حتى ولم نعد بحاجة إليه، مع تحسن وسائل البناء الحديث. ليت كل واحد منا، يعلم ويفكر انه في كل مرحلة من حياته، وفي كل وضع هو فيه، أنه ما زال  بحاجة إلى جسور التواصل والترابط  مع الآخرين. 

وكل عام وانتم بخير..

سميح ناطور
دالية الكرمل
تشرين ثاني
 2009

 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.