spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 114
بناء مزار للشيخ مصطفى بدر رضي الله عنه في قرية حرفيش
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
الشيخ نجم بن يوسف بن ناصر الدين طباعة ارسال لصديق
أول مدير للكلية الداوودية، أول كلية درزية في التاريخ


بقلم أمين بك آل ناصر الدين
عن "اوراق لبنانية" بتصرف

كان نجم بن يوسف بن ناصر الدين الأول، رجلا فاضلا تقيا نزيها وقورا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، نذكر للدلالة على شدة اعتصامه بالنزاهة واسترسال الناس إليه بالثقة ما يلي :
كان داوود باشا أول متصرفي لبنان شديد العناية باختيار الرجال النزهاء المخلصين لجميع الأعمال، فلما أقام المدرسة المنسوبة إليه في عبيه (المدرسة الداوودية) كان أول ما عُني به اختيار مدير لها من المتميزين بالأمانة والنزاهة والإخلاص والخُلق العالي، فيحفظ ما للمدرسة ويصونه من عبث العابثين، ويراقب سير الأساتيذ والوكلاء فلا يستطيع أحد أن ينحرف عن سواء السبيل. فأخذ يتقصى في البحث عن الرجل الجدير بأن تُناط به الثقة فقيل له إن خير من يؤتمن على مال المدرسة فيصونه عن كل طمّاع ومختلس هو الرجل التقي المفضال الشيخ نجم بن ناصر الدين من كفر متى التي تُعد مع عبيه كبلدة واحدة. فعقد داود باشا عزيمته على تعيينه مديرا للمدرسة الداوودية. وعلى أثر ذلك جاء المتصرف إلى عبيه وكتب إلى الشيخ نجم يطلب إليه الحضور إلى المدرسة لمفاوضته ببعض الأمور . فلما دخل عليه استقبله بغاية التوقير والتكريم، ثم ابلغه أنه ينوي تعيينه مديرا للمدرسة الداوودية، بعد أن سمع من ثناء الناس عليه وعن إجلالهم قدره الشيء الكثير.
قال له الشيخ نجم : إني شاكر لك يا صاحب الدولة حسن ظنك ومكارم أخلاقك، ولكني أعتذر من ان أكون مديرا للمدرسة، فالمدير يجب ان يكون من أهل العلم وما أنا منهم، ويجب أن يكون متعوّدا للقيام على شؤون المدارس، وأنا لست بمتعود ذلك، عدا أني أصبحت في هذه السن التي يصعب معها مزاولة الأعمال، فأنا والحالة هذه أرجو من دولتك قبول عذري، وقبول دعائي لك بالتوفيق، لما يرضي الله وينفع الناس.
قال داوود باشا : لقد زدتني أيها السيد الجليل بما قلت رغبة، في تفويض أمور المدرسة إليك، وتصميما على تعيينك مديرا لها. أما كونك لست من أهل العلم، فالتعليم يقوم به الأساتيذ، وأما أنك لست متعوّدا القيام على شؤون المدارس، فالناظر والمعلمون يقومون مكانك، وأما صعوبة العمل عليك لعلو سنك، فما هي بالعُذر المقنع. إن هذه المدرسة هي لكم ، أقمتها لتعليم شبانكم وتثقيفهم، ليكون شأنهم شأن غيرهم من أبناء الطوائف، أفما ترى وقد بذلت جهدي في سبيل مدرستكم هذه أن تشاركني في تحمل هذه الصعوبة بعض الشيء؟
قال الشيخ نجم : إن في الطائفة، يا صاحب الدولة، من هم اقدر مني على القيام بهذا الأمر، فلو اخترت واحدا منهم، لاستطاع ما لا أستطيع أنا من العمل النافع، وعلى فرض أنه ليس في الطائفة من هو أهل لذلك، فماذا يمنع أن يكون المدير من طائفة أخرى، إن في كل طائفة رجال فضلاء أمناء كالأساتيذ المعينين للمدرسة. قال داوود باشا مهما يكن من الأمر، فإني قد اخترتك ولن اختار سواك. إن حفظ مال المدرسة هو ما يقتضي اهتمامي في الدرجة الأولى، لأن المال هو قوام كل عمل، ولن يصونه عن طمع الطماعين إلا رجل ثقة أمين مثلك.
ولما أيقن الشيخ نجم أنه لا مناص له من النزول على طلب المتصرف، قال له بعد التفكير: أصبحت يا صاحب الدولة مضطرا إلى تلبية أمرك ولكن بشروط لا بد منها الأول : ألاّ أكلَّف الإقامة في المدرسة، والثاني أن يجري الحساب كل سنة مرتين على المال الموضوع أمانة عندي لأكون مستريح الضمير، والثالث أن تُسجل كل دفعة تؤدى إليّ في سجل مخصوص بشهادة ثقاة، وأن آخذ إيصالا من كل من أدفع إليه ولو قرشا واحدا موقّعا باسمه، ويشهد بذلك غير واحد، وعند المحاسبة يُنظر في الدفعات المسجلة وفي الإيصالات التي في يدي للمقابلة بين الدخل والخرج، والرابع : أن أقوم بهذه الخدمة دون أن أتقاضى مرتبا. فإذا وافقت هذه الشروط رأيك صاحب الدولة وإلا فلا سبيل إلى النزول على ما طلبت، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فكبر صاحب الترجمة في عين داوود باشا وقال له : رضيت بشروطك، وهكذا يكون أهل الفضيلة والنزاهة وأبناء البيوتات الكريمة.
عُين للمدرسة الداوودية  في أول عهدها أستاذان هما المعلم اسعد الشدّوري والمعلم رزق الله البرباري وعُين حسن أفندي سليم وكيلا داخليا، واستؤجرت دار الشيخ حسين أمين الدين في عبيه للمدرسة فبقيت فيها إلى أن أقيم لها بناء خاص بعناية داوود باشا. وأهدى الشيخ نجم إلى مكتبتها كتبا قيّمة اشتراها بمائة ليرة ذهبا.
قام الشيخ نجم بواجبه كمدير وتوفي عام 1285 هجرية فعظم خطبه على الناس لما له من المآثر والفضائل، ورثاه العالم الشهير الشيخ يوسف الأسير بالقصيدة التالية :


جرى القضاء بأن نحيى إلى قدر 
                        فلا يقينا حمى من ذلك القدر
وحيث لا بدّ من موت لذي أجل 
                        فقلّما الفرق بين الطول والقصر
فيفرح الناس في موت لذي ضرر 
                        ويحزنون لذي نفع بلا ضرر
كناصر الدين نجم من قضى فحكا 
                        بدرا هوى من سماوات إلى حُفر
سمّوه نجما لمرباه بأفق علا  
                        وأنه في السنة أبهى من القمر
متى تضيء كفر متى بطلعته  
                        ومنه تحظى نوادي الحيّ بالسمَر
قد عاش نجم دليلا في عشيرته  
                        ومات وهو جليل غير محتقر
وعاش بالمدح ممن كان عاشره  
                        وإنه بعد موت بالمديح حري
له يحق البكا وجدا لفرقته  
                        بل الثناء لدى الأسحار والبكر
جرت عليه دموعٌ في مناحته  
                        على الخُدود بل الأثواب كالمطر
كل العيون تغشّت بالدموع كما 
                        كل القلوب تغشت فيه بالكدر
أبقى، وإن مات في الدنيا مآثر لا 
                        تنفكّ بعد ذهاب العين في الأثر
مكمّل الوصف لا تُحصى مآثره 
                        مُجمّل الذات في أوصافه الغُرر
تلك المحامد تحيي ذكره أبداً  
                        والمرء من غير ذكر غير مُعتبّر
مني يمين لقد أبدت شمائله   
                        مع الجميع جميلا غير مُنحصر
تبكي عليه على خبر أقاربه  
                        كما الأباعد تبكيه على الخبر
وعارفيه سألناهم بسيرته  
                        هل فيه عيبٌ وإلا فهو منه عري
قالوا جميعا على الإجمال كان به 
                        كل الجميل، ومن كل العيوب بري
لا عيب فيه سوى ملقى الفقير بما 
                        يغنيه دهرا وملقى السِّفر بالسفر
وغوثه الملتجي في كل نازلة  
                        وعونه المرتجي والبِشر للبَشر
وخوفه ثم توقاه لخالقه  
                        وأنه في الأمور الصالحات جري
وإنما الفرق في دنيا وآخرة  
                        بالحسن والقبح في الأعمال والسيَر
وفيّ عهد ووعد حاذق فطن  
                        سامي الذرى سالم عن المقام سري
وساد في قومه العالين من صغر 
                        وحاز فيهم ذرى مجد على كِبَر
وصار منعاه تاريخا وناح كما  
                        ناح الحمام لفقد الألفة في الشجر   
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.