spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 103
لقاء الأكاديميين مع فضيلة الشيخ موفق طريف
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 155
العدد 154
العدد 153
العدد 152
العدد 151


 
كلمة العدد: باشوات، ويخشون أن تسقط السماء على رؤوسهم طباعة ارسال لصديق
جاء في كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" للقزويني، وصف لأحد أنواع الطيور، ويسمى الصافي، وهذا الطائر له صفات ككل الطيور، لكنه يمتاز بعادة غريبة وفريدة من نوعها، وهي أنه في الليل، عندما يهجع لينام، يتعلق بالشجرة ورأسه إلى أسفل، ويبدأ بصراخ  يستمر طوال الليل، وسبب صراخه، هو أنه يرتجف خوفا، إذ أنه يعتقد  أن السماء ستقع عليه في كل لحظة...
ولا ندري إن كان هذا الطائر ما زال موجودا حتى الآن وأين يعيش، ولماذا أطلق عليه علماء الأحياء العرب هذا الاسم الجميل، إذا كانت لديه هذه الخصلة القبيحة. لكننا نعلم، أن هناك حيوانات وطيور كثيرة، تنقرض مع الوقت، لكن بعض صفاتها، تلصق ببني البشر، وتستمر بالوجود، ويمكن أن يكون الصافي غير موجود، لكن ظاهرة الصراخ موجودة بكثرة.
والمجتمع البشري، لا يختلف كثيرا عن مجتمع الحيوانات، من حيث التعددية فيه، فغالبية بني البشر، هم أناس طيبون محترمون، يقومون بواجباتهم نحو المجتمع والناس، وهم قانعون بنصيبهم من الحياة، ومكتفون بما رزقهم الله وما تيسر لهم. لكن الواقع هو أن تعيش في كل مكان أقلية صاخبة صارخة، لا تستطيع، ولا تعرف أن تعمل شيئا، وكل همها هو النقد والتحطيم والصراخ والعويل.
ونحن والحمد، لله طائفة غنية برجالاتها وبقدراتها وبخاماتها، وبكل ما يمكن أن يعتز ويفتخر به مجتمع متراص، قوي، متين، يعرف بالضبط ما يريد، ويعرف كيف يصل إلى الهدف المنشود. وكل فرد من أفراد هذا المجتمع، يقوم بواجبه على أحسن وجه. وقد أنعم الله علينا اليوم، وفي هذه الظروف، بقيادة دينية ناجحة ومقبولة، والحمد لله، وذلك استمرارا للوضع الذي كنا نعيش فيه، في عهد فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف. فقد ألهم الله، سبحانه وتعالى، فضيلة المرحوم الشيخ، والزعامة الدرزية في الأربعينات من القرن الماضي، ألهمها أن تتخذ القرارات الصائبة والخطوات المناسبة، وأن تحافظ على بقائنا في هذه البلاد. وقد كان فضيلة المرحوم الشيخ أمين طريف، أحد أعمدة القيادة الحقيقية، فكان يؤم بيته العامر، كل صاحب نفوذ يريد أن يقود مجموعة ما، للتشاور ولاتخاذ القرارات، بالتروي وبالشكل الصحيح. وقد أوصى فضيلته، بتسليم مهام الطائفة الدرزية، إلى حفيده النابه الأصيل، الشيخ موفق طريف، أطال الله في عمره، وهو الذي كان المساعد الأول لفضيلة المرحوم، وتعلم منه الكثير، واستوعب من صفاته ومن خصاله الحميدة، ما أهّله بجدارة وبحقيقة، أن يكون خليفة للمرحوم، الذي كان عملاقا في القيادة العليا، وكان معروفا بتقواه، وطرقه الدينية التي تركّزت في عبادة الخالق، وفي النظر إلى ما وهبنا هنا، على وجه الأرض، وما منحنا وما أعطانا. ونحن، نحمد الله ونشكره، على أنه يسّر لنا زعيما دينيا توحيديا عاقلا حكيما، يسير على درب فضيلة المرحوم الشيخ، ويطبق تعاليمه. ونحن نلاحظ أن السفينة  التي تقل شيخ الطائفة قد رست في بحر الأمان، بعد أن تسلّم الراية واخذ يقود أبناء الطائفة إلى الأفضل والأحسن.
 إن الطلبات والشروط التي يفرضها رجال الدين عندنا، على كل من يرغب في الدخول في صفوف الدين، هي مصدر شرف وكرامة لنا جميعا. وقد حظينا خلال ألف سنة، بالحماية الربانية، لأننا عرفنا، كيف نسيّر أمورنا بهدوء وبثقة، وبالاتكال على الله سبحانه وتعالى.  وقد كانت الأمور الدينية محصورة حتى الآن، بين رجال الدين، وهكذا ظلت محفوظة ومصونة. ولم تكن ولا في يوم من الأيام، أزمة قيادة روحية، لأن الله سبحانه وتعالى، يؤمن لأبناء هذه الطائفة،على الأقل، موحدا شريفا أو أكثر، في كل فترة زمنية، ليحمي جميع أبنائها أينما كانوا. فعمامة توحيدية حقيقية واحدة، تحمي جزيرة بأكملها. ونحن اليوم، والحمد لله،  ننعم بوجود أكثر من عمامة حقيقية. ففي بلادنا، يشرفنا وجود فضيلة الشيخ موفق طريف، وفضيلة الشيخ أبو علي مهنا فرج، وفضيلة الشيخ أبو علي حسين حلبي، وفضيلة الشيخ أبو يوسف صالح القضماني، وفضيلة الشيخ أبو زين الدين حسن حلبي. وفي لبنان يعيش، والحمد لله، مشايخنا الكبار، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ أبو محمد جواد، أمد الله في عمره، وهو وحده يحمي الكرة الأرضية بأسرها. وفي سوريا، يعيش عدد كبير من المشايخ الأتقياء الفاضلين، وبروح وهمة كل تقي منهم، ننعم بالسلامة والاطمئنان، هذا ناهيك عن أولائك الساهرين على أمورنا، والذين يعيشون في الجزر، وراء الضباب، ونحن نترقب وصولهم كل لحظة.
أزمتنا تنحصر في القيادة الزمنية، فبعد أن نعمنا بوجود سلطان الأطرش، وكمال جنبلاط، ومجيد أرسلان، وجبر معدي وغيرهم، بقي لدينا آخر العمالقة، وهما الزعيمان، السيد أمل نصر الدين، والقائد وليد جنبلاط، أمد الله في عمرهما، وأعطاهما الصحة والقوة، لأن يستمرا في خدمة الطائفة والمجتمع.ولا ننسى هنا خدمات الوزير السابق السيد صالح طريف. وقد شاهدنا عددا كبيرا من نواب البرلمان، ومن رؤساء المجالس والسلطات المحلية، ومن كبار الموظفين، يصعدون ويهبطون في المناصب الرسمية، ومنهم من كانت له النوايا الحقة الصادقة لخدمة أبناء طائفته، لكن الظروف لم تكن مناسبة ومواتية له، فلم يستطع أن يترك ذلك الأثر الطيب بعد غيابه، ولا يمكن أن يحسب في عداد الزعماء الحقيقيين .ونحن هنا، نشكر كل من وصل إلى منصب، وحاول أن يخدم طائفته، وأهل بلده، ولا نحاسب أحدا ولا نلوم، لكننا نقول، إننا نتوقع من كل شاب درزي، يصل إلى مقام رفيع، ويمكنه، من منطلق مكانه هذا، أن يخدم أهل بلده وطائفته، نتوقع منه، أن يفعل كل ما بوسعه، وأن يترك آثارا وبصمات وإنجازات يذكر بها، ويكون فيها قدوة لغيره. ونحن نؤكد أن المئات من أبناء الطائفة الدرزية في البلاد، قدموا الكثير لمجتمعهم، كل حسب قدرته، وعملوا ما استطاعوا، وحاولوا بقدر الإمكان، أن يحدثوا تقدما وتغييرا في صفوف الطائفة، وكلنا يثني عليهم ويشكرهم، ويشد على أياديهم، ويتمنى لهم الصحة والتوفيق والنجاح في كل شيء. ونحن نلاحظ في الآونة الأخيرة، تقدما وتحركا إيجابيا كبيرا، حيث نشاهد وجوها جديدة، تدخل الساحة الجماهيرية، ويبشر دخولها بالخير للطائفة الدرزية، لأننا نتوسم منهم العمل المثمر، والسهر على الشؤون العامة. ومن بين هؤلاء الشباب، عضو الكنيست السيد حمد عمار، الذي أنجز حتى الآن أشياء كثيرة، وفي جعبته برامج ضخمة، لتقدم الطائفة ورفع معنوياتها. وكلنا أمل أن يكون قدوة، وأن يؤدي إلى تحرك باقي أعضاء الكنيست الدروز، فقد منح الله، سبحانه وتعالى الطائفة الدرزية، فرصة كبيرة، لأن تتقدم في هذه البلاد، حيث يسّر لها انتخاب أربعة أعضاء كنيست من صفوفها، ليمثلوها في البرلمان، وليسارعوا في تقدمها وتطورها. وكلنا يعلم، أن البرلمان في دولة ديمقراطية، هو المحرّك الرئيسي لكل عمل، وفيه، وبين جدرانه، وفي لجانه، تُدار الأمور المصيرية، وكل رصد ميزانيات، وكل حسم برامج، وكل دفع، وكل تطوير، يخرج من البرلمان. وأعضاء الكنيست الأربعة الموجودون في الكنيست اليوم، هم رُسل لهذه الطائفة، وهم سفراء مبجّلون لها، وقد أرسلهم الله لهذه المهمة في فترة عصيبة بالنسبة للطائفة الدرزية، وعليهم أن يعملوا كل شيء، ليس فقط لانتشال الطائفة وإنقاذها، وإنما لوضع الأسس العريضة، لكي تظل في مركز الاهتمام في السنوات القادمة، في الفترات التي يمكن أن يمثل الطائفة فيها عضو واحد أو أكثر أو أن تبقى بدون تمثيل.
وفي المجال العسكري، نرى عددا كبيرا من الشباب الشجعان المثقفين، يتقدم في سلم الدرجات، ويصل إلى مراكز قيادية، ويحاول أن يخدم دولته ومجتمعه. وفي مقدمة هؤلاء الجنرال حسون حسون، المرافق العسكري لفخامة رئيس الدولة، الذي أثبت قدراته وجدارته وإمكانياته ودماثة أخلاقه، وكلنا يتمنى له التقدم والترقي والوصول إلى مراتب أعلى. وفي الآونة الأخيرة تسلم عدد من الشباب الدروز، مراكز ووظائف هامة في الوزارات، منهم الشيخ يعقوب سلامة، مدير قسم الطوائف في وزارة الداخلية، والشيخ مهنا فارس، مدير المعارف الدرزية، والضابط حمادة غانم، مدير قسم الترخيص في وزارة المواصلات، والسيد هاشم حسين، من كبار موظفي مكتب رئيس الحكومة، والسيد ياسر عطيلة، مدير قسم البرامج في دار الإذاعة الإسرائيلية، والسيد كمال عطيلة، من كبار موظفي وزارة المعارف والثقافة، والسيد راجح قدور، مدير قسم الأخبار في دار الإذاعة الإسرائيلية، والسيد مسعد قدور، من كبار موظفي شركة المراكز الجماهيرية، وعدد كبير من الشباب والشابات الذين وصلوا بثقافتهم ومؤهلاتهم إلى مراكز قيادية هامة منهم بعض السفراء. وفي الانتخابات التي جرت مؤخرا في مجلس كسرى سميع المحلي انتخب الأستاذ نبيه أسعد، لرئاسة المجلس، وهو شاب مثقف، أثبت جدارته وقدراته كمدير مدرسة، وكرئيس للمجلس الإقليمي مركز الجليل في السابق. وفي دالية الكرمل، انتخب السيد كرمل نصر الدين، وهو وجه جديد، وشاب قدير، وإداري فعّال، وجامعي متمكن، ومواطن طموح، يصبو إلى قيادة أكبر قرية درزية في البلاد، وإلى إيصالها لمراكز عليا، بحيث يفسح المجال أمام كل المواهب والإمكانيات فيها، لأن تصل إلى التعبير عن نفسها والتألق بمجتمعنا. وعندما نرى هذه الوجوه والشخصيات النشيطة الفعالة، نشعر بالارتياح والطمأنينة، وبأننا في أيادٍ أمينة.
 وما يزعجنا، هو وجود عناصر هدّامة في ربوعنا، لا تحب الخير لهذه الطائفة، ولا تريد لها التقدم والعزة والرفعة والكرامة، وكل ما يهمها، هو التعبير عن حقدها، وعن مركّبات النقص التي تنهش بها، فتثور وترعد وتزبد وتصرخ وتشتكي لأتفه الأسباب، وكل همها، هو اللوم والانتقاد، ومراقبة الغير، والتحطيم، وإثارة الفتن، والإحباط والتكسير، وهي تدّعي بمصلحة الطائفة، وحب الطائفة، والطائفة منها براء. وأحيانا يصل البعض من هؤلاء، إلى مراكز هامة، وإلى مواقف قيادية، وعندها تتوقع منه، أن ينفذ ما يطالب به، وأن يحقق ما نادى به كل حياته، لكنه تعود دائما على اللوم والتحطيم والانتقاد، ففي حالة كهذه، حتما لن يستطيع البناء والعمران والتقدم والتغيير.
 وهؤلاء، يذكروننا بذلك المواطن العثماني، الذي عاش في بلاد الأناضول، وكان رب أسرة محترم، يقوم بكل واجباته على أحسن وجه. لكن ولد له ولد شرير مشاغب، لا يحب مصلحة الناس، ويعتمد على الاستغلال، وعلى انتهاز الفرص، وإذلال الآخرين. وقد نبذه والده المستقيم، قائلا له، إنه لن يصبح رجلا في حياته. وقد ترك هذا الشاب البيت، وانتقل إلى اسطنبول، وانضم إلى فرقة الانكشارية، فتقدم فيها، ووصل إلى موقع القيادة، فمنحه السلطان العثماني، لقب باشا. وعندما استقر في مركزه الجديد، شعر بالزهو والكبرياء، وتذكر كلمة والده، أنه لن يكون رجلا. عندها، طلب من مساعديه إحضار والده من الولاية البعيدة التي سكن فيها بأي ثمن وبأي حال، ولما حمل الوالد، ودخل ديوانه، سأله الابن: أتعرف من أنا ولماذا أتيت بك؟ أجاب الوالد: لا أعرف من أنت. قال له أنا ابنك الذي قلت إنه لن يصبح رجلا، وها أنا ذا الآن لست فقط رجلا، وإنما أنا باشا. نظر الأب إلى ابنه بازدراء وتعالٍ وأجاب بهدوء: قد يمكنك أن تصبح باشا، لكنك لن تكون رجلا في حياتك...
 ونحن كذلك، يمكننا أن نرى في صفوفنا، وفي ربوعنا، عددا كبيرا من القادة والزعماء والمسؤولين، يصلون إلى المراتب العليا، ويمكن أن تنبثق منهم أقلية خاصة، تتطور وتظل على حقدها وكراهيتها وانعزالها، فهي ليست فقط عديمة الرجولة، وإنما هي أنكى من ذلك بكثير، فربما حملت شارة الباشوية، إلا أنها في الليل، تنقلب، لتشبه طائر الصافي، الذي يبكي ويولول، وهو يخشى أن تسقط السماء على رأسه...   

وكل عام وانتم بخير..

سميح ناطور

دالية الكرمل
ايلول
 2009
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2021 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.