spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 82
جُب النبي يوسف (ع)
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
كلمة العدد: إعلموا أنه لا بد أن ترتج الأركان طباعة ارسال لصديق

لقد مر دروز الجبل بأزمة كبيرة وخطيرة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وجاء في كتاب د. حسن البعيني،  "جبل العرب"، أثناء سرده لأحداث  الحرب في جبل الدروز ضد إبراهيم باشا، أنه عندما وجه إبراهيم باشا حملته الثالثة ضد الجبل، بقيادة وزير الحربية، أحمد منيكلي باشا، كانت مؤلفة من عشرين ألف مقاتل، مجهزين بالمدافع والعتاد، فتصدى لهم مقاتلو الجبل، بقيادة شبلي العريان، وعددهم حوالي خمسمائة مقاتل فقط. وعند بدء المعركة، انهزم الثوار لقلة عددهم، وكثرة عدوهم ووفرة سلاحه، ولما وصلوا في انهزامهم إلى عيالهم" صاحت النساء بالزغاريد، تستحثهم على القتال، فأعادوا الكرة على الجنود، ولم يعبأوا بالمدافع، حتى كسروا الجيش." وبعد أن تشتت جموع المصريين، تعقّب الدروز فلولهم المنهزمة "حتى صار الرجل منهم يحوز من المصريين مائة رجل"،، وغنموا الأسلحة والذخائر، ولم يفقدوا في تلك المعركة الظافرة، سوى 25 قتيلا، بينما كانت خسارة عدوهم أربعة آلاف قتيل.
ولولا زغاريد النساء التي أعادت المقاتلين الدروز إلى المعمعة، لحدثت كارثة في الجبل، مثلما حدثت في أماكن أخرى قبل ذلك. فقد كانت المؤامرة أن يقضي إبراهيم باشا على دروز الجبل، وفي نفس الوقت يقضي بشير الشهابي على دروز لبنان. وقد تكرّرت هذه المؤامرة مرّات عديدة بعد ذلك، ومنها عام 1954 حيث حاول الشيشكلي، القضاء على الدروز في جبل الدروز، وتوطين لاجئين فلسطينيين مكانهم. وجرت محاولة بعد ذلك عام 1982 في لبنان، حيث خطط المتطرفون من الموارنة والمسيحيين هناك، للقضاء على الوجود الدرزي في لبنان. هذا ناهيك عن المؤامرات والكوارث التي مني بها الدروز قبل ذلك على مر التاريخ.
ونحن نستعيد كل هذا، لنقول لإخواننا وأبنائنا وأهالينا في هذه البلاد، إن التواجد الدرزي، ليس أمرا حتميا، ولا هو بمثابة واقع ثابت مُسلم به، وإنما نحن معرّضون في كل وقت، وفي كل لحظة، لأي تغيير، أو تحوّل، أو تطور، نفقد فيه كل ثوابتنا وتمسّكنا، وقد نُرغَم، لا سمح الله،  على ترك أرضنا وبلادنا في ظروف سياسية متقلبة. وما يجعلنا واثقين ببقائنا وصمودنا، هو اعتقادنا وإيماننا بالله سبحانه وتعالى، واعتمادنا على عقائدنا ومذهبنا، وتمسكنا بأصولنا وشرائعنا، وغيرتنا الواحد على الآخر، ووقوفنا يدا واحدة أمام الأخطار والمصاعب والمشاكل التي تهدد كياننا.
لهذا نستهجن، ونستغرب، ونتعجّب، ولا نفهم ما يجري في ربوعنا من تفكك، ومن تسيّب، ومن انحلال، ومن تخلّف، وتنكّر لكل الأسس والقواعد والدعائم، التي جعلتنا نصمد أمام كافة الأخطار خلال ألف سنة. ونحن نرى أننا هنا، في هذه البلاد، أصابنا البطر والتخمة، وتعودنا على ملاذ الحياة، فقد أنعم الله علينا بفترة من الإستقرار الأمني، والإنتعاش الإقتصادي، والرفاهية الإجتماعية، والهدوء العقائدي، وحماية ما كان مهددا في السابق، وأصابنا ما جاء مثله في التوراة، حيث قيل " ويسمن يشورون ويركل"، أي أننا كنا قوما فقيرا معدما، وتغيرت ظروفنا، وتحسنت أحوالنا، فشبعنا وضحكت لنا الدنيا، فبدل أن نشكر الله، سبحانه وتعالى، على نعمته، وبدل أن نوجه كل مقدراتنا لنحافظ على هذه النعمة، بدأنا نحطم الواحد الآخر، ونتنكر لعاداتنا المتوارثة، ونقلل من أهمية كبارنا، وندير ظهورنا لمن كانوا خلال سنوات القيمين على شؤوننا. وأصبح كل واحد يتحسس في جيبه بعض القروش زعيما، وأصبح كل معدم بائس تحسنت أحواله المعيشية، قائدا.
 وفي سابق عهدنا كان للزعامة والقيادة، أصول ومقومات وأسس. أما اليوم، فقد ألغيت كل المقومات، وأبطلت كل المتبعات، وظهرت على الساحة وجوه كثيرة، تبرز وتغيب، وترتفع وتتلاشى، فتهدد وتتوعد، وتعلن للملأ، أنها مرسلة من القدرة الإلهية لإنقاذ الطائفة وحمايتها، لكنها سرعان ما ينتهي دورها القصير، فتنعدم في طي الكتمان والنسيان، لأنها لم تترك أثرا وراءها، أو عملا يذكر. لكن هذا لم يمنع منها، من أن تتبجح وتشير إلى أنها كل شيء وهي لا شيء.    
يعيش المواطنون الدروز في البلاد، في عهد نعيم وازدهار ورفاهية، لم يشهد مثله التاريخ، ولا في أي مكان. نعم، يوجد في كل مكان أغنياء ميسورو الحال لا ينقصهم شيء، لكن أن يكون الرخاء والنعيم شاملا الجميع، فهذا وضع لم تشهد مثله الطائفة، ولا في مكان آخر أو فترة أخرى. ففي السابق، كان الأعيان والوجهاء والأغنياء فقط يملكون القصور، أما اليوم، فأي فتاة يطلبون يدها، تتطلب البناية الفخمة، والقصر المنيف، والعمارة المستقلة. فقبل سنوات فقط، كان الأب يزوج أولاده، فيسكنون جميعا مع زوجاتهم في غرفة كبيرة، وكان كل زوجين يكتفيان بأن يقتنيا خزانة ويجعلان مخدعهما وراءها. اليوم في كل بيت أكثر من سيارة واحدة، في حين كان في السابق الحصان، ملك الأغنياء فقط, واليوم لكل فرد في البيت، حتى أبناء العاشرة، تلفون نقال يستعمله ويتباهى به، في حين كان ولد كهذا في السابق، يحصل على ثوب جديد، في عيد الأضحى فقط.  وفي السابق، كان الفقراء والمساكين، وكانوا كثرا، يتربعون في المناسبات على موائد الأغنياء والوجهاء. واليوم، أي أرملة تعيش وحدها، تستطيع أن تمد أكبر طاولة وأفخمها.المحتاجون اليوم، هم الكسالى وعديمو الهمة والاتكاليون، فأي إنسان يريد أن يشتغل ويعيل نفسه وعائلته، يجد العمل الشريف المناسب، إذا لم يتبغدد ويترفع ويتعالى.وعلى كل من يريد أن يعرف ما هي أوضاعنا الإقتصادية، أن يأتي لأي قرية درزية يوم العيد ويتفقد أهلها. سوف يدخل قٌرية شبه مهجورة، لأن غالبية السكان، تركت القرية والعيد في قافلات من السيارات والباصات، إلى إيلات وشرم الشيخ وتركيا وغيرها.
ومع هذا، الكثيرون منا يحمدون الله، صباح مساء، على هذه النعم التي نرتع بها، ويتضرعون إليه أن تدوم هذه النعمة، وأن يستمر الإستقرار والهدوء إلى أمد طويل، لكن هناك من تجده ساخطا حاقدا، يتذمر بمرارة وألم، ويشكو من الظلم والإجحاف والمصير البائس، وكأنه يعيش في خرب وفي ظروف قاسية لا تطاق.
 يمكننا أن نقول، إننا كأفراد وأسر صغيرة، لا ينقصنا، والحمد لله، شيء، لكننا كمجموعة، ينقصنا الكثير. والمسؤولية تقع علينا فقط، وليس على أي مصدر آخر.فبسبب شبعنا نسينا الوحدة والإلفة والتكاتف والتعاون الذي ميزنا في السابق، وأصبح كل واحد فينا زعيما وقائدا وحكيما وفيلسوفا ومرشدا ومنقذا وإمبراطورا, وبدأنا نكسر الأطر التي بنيناها، وأخذنا ندير ظهورنا لتعاليم آبائنا وأجدادنا، وأصبح كل خائب يعتبر نفسه قيما على الطائفة بأسرها.بهذا الشكل نظهر أمام المسؤولين، نتصارع ونتقاتل ونشهر الواحد بالآخر، فيشمئز منا المسؤلون ويبتعدون عنا وينفرون منا.    
وإذا عدنا إلى ابراهيم باشا وحروبه، نقول إنه في النهاية تغلب على الدروز وكسر شوكتهم. فبعد أن أرسل إليهم ثلاث حملات عسكرية وهزمت، حشد حملة كبيرة، وقرر أن يقودها بنفسه، بعد أن استنجد بوالده محمد علي، فأمده بكل ما توفر لديه من أسلحة ومعدات وقوى بشرية.ولما لم يستطع ابراهيم باشا، أن يتغلب عسكريا على الدروز، لجأ إلى خطة غير إنسانية، ستظل وصمة عار مقترنة باسمه إلى الأبد، فقد قام بتسميم منابع الماء في الجبل، وبذلك اضطر المقاتلين إلى التسليم ووضع السلاح، حفاظا على أولادهم وأهاليهم في الجبل.
واليوم ونحن في أوج رخائنا الإقتصادي، وفي قمة النعيم الذي نعيش فيه، نجد بيننا أكثر من ابراهيم باشا، يسمم الماء في قرانا. وقبل مائتي سنة، كان ابراهيم باشا عدونا, أما اليوم فمسممو المياه هم منا، وبعضهم يلبس العمامة، وهم متدينون يقومون، كما يدعون، بكافة الفرائض الدينية. ونحن نقصد ونشير إلى أولائك المواطنين الدروز، الذين يعيشون بيننا في القرى، ولا يدفعون ثمن الماء الذي يستعملونه. لقد تم في الآونة الأخيرة، قطع المياه عن قريتي الكرمل، وعن المغار ويركا وغيرها، وذلك لأن بعض المواطنين لم يدفعوا ثمن المياه التي استعملوها، وقد قدرت بملايين الشواقل. واضطرت شركة المياه، أن تعاقب  جميع المواطنين، ومن بينهم أولائك الذين يدفعون ثمن المياه بانتظام، لأنها غير مهيأة لأن تعاقب المخالفين فقط. وعندما استفسرنا عن المخالفين، قيل لنا، إن من بينهم رجال دين، ومن بينهم ميسورو الحال، فاستغربنا، وفوجئنا، كيف يسمح هؤلاء لأنفسهم أن يشربوا مياها لم يدفعوا ثمنها، وكيف يشعرون عندما يعلمون أنهم وبسببهم، حرم أطفال أبرياء وعجز ونساء وتلاميذ وعمال كادحون، من لذة شرب الماء، أو الغسيل، بسبب جشع وتعنت وقلة دين بعض المواطنين، ونحن نقف مشدوهين، أمام هذه الوقاحة، وهذا التصرف، وهذه السرقة في وضح النهار. ونحن لا نعرف من هم أولائك "الأبطال"، لكننا نعتقد أنهم من حثالة المجتمع البشري، إذ يسمحون لأنفسهم أن يسرقوا الماء بهذا الشكل، وبدون خجل أو حياء.ونحن نعتقد، أنه على رجال الدين التحقق من هوية أولائك المخالفين، ومقاطعتهم وحرمانهم من الإنتماء إلى رجال الدين.
وإذا هرب هؤلاء من طائلة القانون المدني، ومن طائلة القانون الديني، فكيف يهربون من ربهم الذي يراقبهم ويعرف كل ما يعملون ويمهل ولا يهمل. وقد ذكر في كتاب " مناقب الأعيان" عن الشيخ مصطفى بدر من حرفيش، وهو ابن الشيخ، علي بدر، الذي رافق سيدنا الشيخ علي الفارس (ر) إلى لبنان. وقد عين الشيخ مصطفى شيخا لبلدة حرفيش، أيام أحمد باشا الجزار، وكان مسؤولا عن جباية الأموال الأميرية. فكان الناس يأتون للدفع، فيقول لهم ضع المطلوب منك في صندوق، بدون أن يفحص الشيخ مصطفى ما وضعه. وكان هناك البعض، وهم موجودون في كل زمان ومكان،  يتظاهر بأنه وضع المبلغ المطلوب، فيصدقه الشيخ.ولما أخذ الجزار المال، وجده ناقصا طبعا، فوضع الشيخ مصطفى في السجن. تضايق الشيخ من هذا التصرف، ودعا ربه، وابتهل إليه أن ينقذه، فارتجت أركان السجن، ووصل الخبر إلى الجزار، فأخلى سبيله، بعد أن عرف أنه لم يكن مذنبا بنقص المال، وبعد أن وعد بتسديد العجز حال خروجه.
هكذا نرى، أن الشرذمة العابثة، موجودة دائما وأبدا، وعلينا أن نتحاشاهم، وأن نتجنبهم، منتظرين أن ترج الأركان ليقوموا بتقديم الحساب. 




 

والله ولي التوفيق..

سميح ناطور

دالية الكرمل
آب
 2009


 
 


 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.