spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 125
قوة الطائفة في وحدتها وإيمانها وصمودها ورؤيتها الصحيحة للأمور
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 136
العدد 135
العدد 134
العدد 133
العدد 132


 
مـــا يليق ولا يليق بـــالشهامة الدرزية طباعة ارسال لصديق
محاضرة ألقاها فضيلة الشيخ موفق طريف في مقام سيدنا أبي ابراهيم (ع)  في دالية الكرمل أمام جمهور من المربين والطلاب

 
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العطوف الرؤوف المنان، سبحان من أظهر البيان، وأمرنا بالبر والإحسان، ونهانا عن الإثم والخسران، وهدانا إلى حقيقة الإيمان.
يعتريني شعور الغبطة والسرور عندما أرى نفسي ماثلا أمام هذه الوجوه السمحة النيّرة، ملؤها الإشراق والمحبة، متعطّشة للتربية الدينية التوحيدية الأصيلة، نحييكم ونبارككم هنا في هذا المكان المقدس ، مقام سيدنا أبو إبراهيم عليه السلام، كما إننا فخورون بمدرسة الإشراق التوحيدية الخاصة بإطارها وهيئتها، ونتمنى لها كل الخير والمحبة والتقدم.
إخواني لا بد من كلمة شكر وتقدير للإخوة المبادرين إلى هذا اللقاء القيّم، هنالك قيمة معنوية ، تربوية، تعليمية، دينية كبيرة من هذا اللقاء، آمل أن تأتي بالمنفعة الكبرى والغاية المنشودة منه.
أيها الإخوة الأفاضل الأعزاء: تحلى  أبناء طائفتنا التوحيدية المعروفية الأصيلة بالصفات النبيلة والأخلاق العالية، منذ غابر العصور والزمن، واجتمعت كلمتهم بالتعاضد، والتكاتف والتعاون وحب الإخوان أيام المحن، لكن اليوم تنشغل الناس بصورة منقطعة النظير في حياة الدنيا، والركض وراء الترف والمادة، وعدم المبالاة بالأولاد وأوضاعهم، وتحصيلهم الديني والتعليمي، وتعطي نموذجا سلبيا للطفل بالبيت من قِبل الأهل، كما إن معظم الأمهات كن في السابق متدينات، وكان الآباء محافظين، وكان اللباس محتشما، والآداب الدينية تسود بين الناس، لكن التأثر بالغرب وتقبلنا منه القشور والمظاهر الزائفة وعدم الاهتمام بالأسس المتينة السليمة التي جعلت الغرب يصل إلى الحضارة التي وصل إليها، والجري السريع وراء الموضة والمادة والحياة الدنيا وما يسمى المدنية وعدم فهم الديمقراطية بشكل سليم، وتقليد بدع وصرخات وأفكار وآراء غريبة شاذة، دفع بالشباب الابتعاد عن العادات والتقاليد وعدم المحافظة عليها، وقلل بشكل ملموس نسبة الأمهات المتدينات مما أعطى نقلة عكسية سلبية للتربية التوحيدية في البيت، وحدا بمجتمعنا في الآونة الأخيرة إلى وضع محرج.
علينا جميعا تفادي الوضع، والعمل الدؤوب من أجل احتوائه، وتكثيف الفعاليات والحث والتربية لعاداتنا وتقاليدنا وتراثنا والتمسك بالأصالة والدين والأخلاق. من هذا المكان المقدس أدعو الأهل الأعزاء أبناء الطائفة التعاون مع الهيئة الدينية، لتأمين هذا الجانب في حياتنا ولإرساء القواعد السليمة، كي نزوّد أبناءنا بالثقافة التوحيدية الدينية المطلوبة، حتى تعود بالفائدة المرجوة على المجتمع بأسره، لأنه إذا نشا الصغار على قواعد سليمة، فإن هذه الأسس ستلازمهم طوال حياتهم.
أيها الأخوة: التربية التوحيدية هي الأساس المتين لكيان هذه الطائفة الكريمة، التي استطاعت رغم الصعوبات الجمّة، والمشاكل العصيبة الحفاظ على كيانها المستقل، وحريتها الدينية، وانفرادها الديني، ونسبها السليم، طيلة ألف عام تقريبا. كان ذلك رغم التحديات الصعبة، والضغوطات الخارجية الجمّة التي اعترتها فاستطاعت بإذن الله وبركة أوليائه تجاوزها بسلام ووحدة.
قطعت طائفتنا هذه المسيرة طيلة حقبة طويلة من الزمن بفضل أسيادها وشيوخها الأفاضل، كسيدنا السيد عبد التنوخي (ق) واضع القواعد والأسس الدينية النيّرة، والتي تُعتبر نبراسا لأبناء الطائفة، ودستورا يَستند عليه كل سائل وطالب علم. ومن بعده سيدنا الشيخ الفاضل وسيدنا علي الفارس رضي الله عنهما، وعشرات من الأسياد والشيوخ والنساك والعباد، حتى جدي المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، الذي استطاع طيلة حوالي خمس وستين عاما رعاية هذه الطائفة، والحفاظ على اجتماع كلمتها، وحفظ حقوقها، وصيانة مقدساتها والحفاظ على العادات والتقاليد الحميدة، وفق مبادئ وتعاليم الدين الحنيف.
أيها الإخوة الأكارم: إن حسن الخلق أرحب نزيل وعليه علينا التحلي دائما بجميل الخلق وحسن الأخلاق وطيب المعشر، مع مواكبة العلم والأدب والتحصيل. الدين والعلم هم سر سمو وتقدم كل مجتمع وكل طائفة. في كلام الأسياد نرى دلالات حليّة واضحة لذلك، كقول سيدنا سلمان الفارسي (ع) "العلم يوصل صاحبه إلى الشرف والجهل يسوق صاحبه على التلف، وحسن الخلق قرين، وكتاب جليس".
قال أيضا "أطلبوا الأدب فإنه زيادة في العقل، ودليل على المروءة، وصاحب في الغربة، وصلة بين العلماء، وسراج منير في مجالس الحكماء، أول ما يحتاج الإنسان إليه العقل والحياء، والتقى والأدب والحِلم، والصبر والشكر، والورع الذي هو أساس الدين، ثم صدق الحديث، وبذل المعروف، وحفظ الجار، وترك الكبرياء، ونزوم الوقار، وغض البصر عمّا يؤول على النار، ولين الكلام، وبذل السلام، وود الإخوان، وكتم السر، وتأدية الأمانة".
أيها الأفاضل في هذا الموقف نقول لكل رواد العلم : الحذر ثم الحذر لئلا تعمي مواكبة العلم بصيرتنا عن أصول التربية والتراث والأصول والأدب وحسن الأخلاق التي ترعرعنا عليها مئات السنين - لا تناقُض بين العلم وبين حسن الأخلاق واللباس المحتشم، بين التطور والتقدم وبين المحافظة على التراث والأصول والتقيّد بتعاليم الأسياد ووصايا السلف الصالح.
أيها الإخوة: أردت التحدث عن ظاهرتين مقلقتين جدا، ظاهرة اللباس الفاضح الكاشف للعورات الغير محتشم، وظاهرة العنف عند شبابنا.
يؤسفني إخواني أن الكثير من أبناء الطائفة وخاصة الفتيات تخلّوا عن اللباس المحتشم التقليدي المستر للعورات. وأخذوا يقلدون الآخرين تحت صرخات الموضة والتحررية الزائفة والتمدن، بلباس ماسخ فاضح كاشف مظهر للعورات، غير مناسب لنا ولمجتمعنا، منافي للآداب الدينية واللباس اللائق بنا وبديننا الحنيف والذي ميّزنا كطائفة توحيدية محافظة، تراعي مخافة الله سبحانه، متمشية حسب الأصول والمبادئ.
رجوعنا إلى الأصول وإلى العادات، إلى التقاليد واللباس المحتشم اللائق بنا، يزيدنا كرامة واحتراما، فيما بيننا وبعيون الآخرين، ويعيد الهيبة والعزة والكرامة، كما يليق بنا وبطائفتنا. يسرني أن نعود ونرى الفوطة الدرزية التقليدية، تزيّن رؤوس الفتيات، كما عهدناهن سابقا، لتعطي الصبغة التقليدية التراثية للمرأة الدرزية.
إني أهيب بالشباب التقيّد باللباس الطويل المحتشم المستر للعورات، كما يليق بالشهامة الدرزية والعزة المعروفية.
أيها الإخوة- العنف ظاهرة مقلقة جدا - العنف وباء فتّاك أصاب المجتمع برمّته وأخذ يطال أبناء الطائفة التوحيدية على الرغم من الأصول والمبادئ والتعاليم الدينية والاجتماعية، فالعنف بات يهدّد أمن العائلة وأمان الشارع وأماكن العمل والمدارس، لا بل أصبح المرض العضال الذي يهدد الأمن والهدوء والسلام، وهنا يؤسفني أن أشير إلى أن هناك تصرفات شاذة في مجتمعنا، عند بعض شبابنا وشاباتنا ، إذ نلاحظ أن البعض منهم يقوم بتصرفات وأعمال غير لائقة، وغير مناسبة لمجتمعنا ولتقاليده وعاداته ولمواقفه المشرّفة، نحن مع التقدم، مع التطور، مع الانفتاح، ومع أن يأخذ كل إنسان في هذا المجتمع حقه، في تحقيق ما يصبو إليه، لكننا نرفض العنف، نرفض الاعتداءات على الآخرين ونرفض كل أنواع الشذوذ التي نلاحظ ظواهر منها عند البعض منا، فالطائفة الدرزية امتازت وتمتاز بين الشعوب بأخلاقياتها- بمواقفها المشرفة- بترفعها عن كل ما فيه عيب أو خلل أو ضرر بالآخرين- لذلك أتوجه من هنا إلى جميع أفراد هذا المجتمع الذين ركبتهم الحماقة أو غفلوا عن الطريق الصحيح أو قاموا بشذوذ معين، أن يتعلموا ويتّعظوا من المآسي  والحوادث التي تجري أمامنا، وأن يعودوا إلى الطريق الصحيح، لأن في ذلك الخير والسلامة والفائدة لهم، أدعوهم وادعو الجميع أن يحافظوا على أصالتهم وعراقتهم وجذورهم الطيبة، لأن الوجه الناصع المشرق لكل فرد في هذه الطائفة يزيد من لمعان وإشراق وطهارة الطائفة بأكملها - كما جاء على لسان سيدنا هرمس عليه السلام :"  لا يبدر منكم عند الغضب كلمة الفحش فإنها تزيدكم العار والمنقصة وتلحق بكم العيب والهجنة وتجر عليكم المآثم والعقوبة، ومن كظم غيظه وقيّد لفظه ولطف منطقه، وطهّر نفسه فقد غلب الشر كله". وقال :" السلامة أن لا يعادي المرء أحدا ولا يكون منه إساءة إلى أحد ممن عاداه فأضرّ به، بل يحسن إليه ويلين له القول.
من حكمة أفلاطون الحكيم (ع) قال ما أحسن الإنسان أن لا يخطئ، وإذا أخطأ ما أكثر انتفاعه بأن يكون عالما بأنه أخطأ، ويحرص بأن لا يعاود إلى الذنب والخطأ، وقال الإقلال من المضار أفضل من الإكثار من المنافع، وقال : قلة الأمانة وقلة الديانة وقلة الأدب وقلة القبول من الناصح وقلة قبول الموعظة أمراض لا دواء لها - ومن أقوال سيدنا الشيخ الفاضل (ر) :" عن حسن الخلق، فهي الخصلة المُرضية والسجية المنجية، التي بها تُنال خيرات الدنيا والآخرة، وبها تكون السعادة في الدارين إذا اقترنت بالإيمان والدين، فالخلق الحسن عون للإنسان على دينه وعلى طاعة ربه، ومعاملته للناس ومعاشرته لهم فيريح ويستريح.
نحن كمجتمع تقليدي محافظ يدعو إلى المحبة والألفة والسلام، وطائفة توحيدية مؤمنة تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، لا تقبل العنف على أي شكل من أشكاله وتدعو إلى الألفة والتآخي والمودة مع الجميع - إخواني: دعونا جميعا شيبا وشبابا نشبك الأيدي ونتعاون للحد من العنف على شتى أنواعه ونحارب هذه الظاهرة بإصرار وبحزم وثبات - لنجاح هذه المهمة أدعو السلطات المحلية والعاملين الاجتماعيين والهيئة التعليمية بمساعدة رجال الدين لتوحيد الطاقات والعمل المشترك المكثف، لكبح جماح العنف والحد من هذه الظاهرة الفتاكة. ( على سبيل المثال المسيرات).
أيها الجمع الكريم - دين التوحيد ميّزنا بحب الخير وحب الآخرين بمخافة الله والخضوع والخشوع له جلت هيبته بالإطاعة للأفاضل والأولياء الصالحين - بحسن الجوار- بالمعاملة الحسنة- بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بعمل الصالحات والتحلي بمكارم الأخلاق- بالطاعة والعبادة وتوحيد الخالق - بالترفع عن الدنيا الغرورة المغرية والعمل من أجل الآخرة النعمة السرمدية الأزلية.
قال سيدنا سلمان الفارسي (ع) :" الدنيا عدوة الله وأنت محب الله، ومن أحب أحدا بغض عدوه لأنها في نفسها وسخة جيفة لكنها بطيب وطُليت بزينة فاغترّ بظاهرها الغافلون وزهد فيها العاقلون".
من وصايا أفلاطون الحكيم (ع) جاء :" إن الحكمة هي التشبه بالله  عز زجل، وهو المعلم للحكمة، والمرشد على الأعمال الجميلة الفاضلة، والموفق لها". وقال " إياكم والحسد فإنه المفرق المشتت، وليتواضع بعضكم لبعض وتتساووا في المحبة الكاملة، وسلموا أنفسكم لله والعلماء. وليحفظ كل واحد منكم صاحبه، وكونوا سامعين مطيعين حافظين على طلب الحق والحكمة مجتهدين محبين للدق، عارفين بالأزمنة واختلافها، محبين للفضائل، متمسكين بكل المحاسن، لا تتجرأوا على التعدي، ولا تتآمروا فيما لا حقيقة له، ولا تتجادلوا بالكذب، وميّزوا بين الخير والشر، وتجنبوا الخصومات، وإذا لم تُسالوا فلا تجيبوا، بل إلزموا قراءة الكتب الأدبية، وأكثروا من ذكر الله تعالى وإحسانه كثيرا، واجعلوا شكركم لله المدبّر للكل".
وجاء على لسان الله عز وجل :" يا عبدي عليك بعشرة وعلي بعشرة، عليك بالاجتهاد وعلي بالمعونة، عليك بالطلب وعلي بالعطية، عليك بالتوبة وعلي بالقبول، عليك بالشكر وعلي بالمزيد، عليك بالتوكل وعلي بالكفاية، عليك بالقناعة وعلي بالغنى، عليك بالسؤال وعلي بالنوال، عليك بالصبر وعلي بالفرج".
في هذه الأيام العصيبة التي امتزج بها الحلال بالحرام وغدا من الصعب المستصعب التمييز بينهم - هذه الظروف القاسية بها أصبح الابن عاقا لأبويه ومنافقا لمجتمعه كثر فيها أكل الحرام وتحليل المحرمات - علامات التفكك والانهيار واضحة، الضوء الأحمر صار ساطعا لامعا منبها محذرا - يدعو الجميع إلى التوبة والعودة إلى الله العلي القدير الغفور، الحليم الكريم العظيم، الابتعاد كل البعد عن الفحشاء والمنكر، الاقتراب من الدين الحكيم الحنيف والانضمام لركب المشايخ الأجلاء، لتعزيز مكانة الدين وتقوية أواصر الوحدة التوحيدية والحكمة الجوهرية، هيا بنا إخوة وأخوات نعمل سوية لدعم وتشجيع أبناء التوحيد من جميع الأجيال من الأبناء والبنات التوبة والعودة إلى الله عز وعلا ولأوليائه المرسلين المكرمين والتمسك بعاداتنا وتقاليدنا.      
 إخواني أريد أن أنوّه لحضراتكم عن مشروع الإرشاد والتوعية الدينية لطلاب صفوف الحادي عشر من جميع القرى الدرزية في رحاب مقام سيدنا شعيب عليه السلام، بالاشتراك مع وزارة المعارف وقسم الطوائف في وزارة الداخلية، حيث يقوم نخبة من المشايخ المدرّسين بإرشاد وتوعية طلاب صفوف الحادي عشر والذين يمرّون في أـوج جيل المراهقة وهم بحاجة ماسّة للإرشاد نحو المسلك التوحيدي، وقد لاقى هذا المشروع استحسان الطلاب والمدرسين والمدراء.
أخيرا إخوتي الأعزاء آمل أن نخرج من هذا اللقاء القيّم متعاونين على درب المحبة والأخوة وإعلاء كلمة الدين، والنجاح في تسليط الضوء على التربية التوحيدية، آملا لمزيد من هذه اللقاءات البنّاءة لمجتمعنا - وأجدد شكري للمبادرين والمضيفين. شكرا للجميع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 
 
 
< السابق   التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2017 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.