spacer
Advertisement مقال مختار من العدد 3
كلمة العدد: الفراغ العقائدي
spacer
spacer

أعداد المجلة

العدد 142
العدد 141
العدد 140
العدد 139
العدد 138


 
كلمة العدد: عندما عز على إبنة البقيعة زوجة البك, أن يبكي طباعة ارسال لصديق

عندما عز على إبنة البقيعة زوجة البـك, أن يبــكي سلطان



حدّث القائد الشيخ شكيب وهّاب، وهو من أقطاب الثورات والحركات المسلحة في سوريا ولبنان، والذي اقترن اسمه بالعنف والرجولة والبأس. حدّث الكاتب الشعبي سلاّم الراسي، أن سلطان باشا بكى مرّة واحدة في حياته، سلطان الذي قاد المعارك الطاحنة ورأى الشهداء من رجاله يسقطون بين يديه, ونجا من عشرات المحاولات لقتله وبقي رابط الجأش. فسأله سلام الراسي لماذا بكى سلطان؟ قال: بكى سلطان حين رأى بعض رجاله في المنفى يتقاسمون رغيفاً واحداً من الخبز." وكان ذلك بعد لجوء سلطان ورجاله، ومنهم شكيب وهاب بعيد الثورة إلى النبك في شرق الأردن، حيث عاشوا في وادٍ مقفر، عانى فيه سلطان باشا ورفاقه شظف العيش. وانتقل هذا الخبر في حينه بين المقرّبين للثورة، وبين رجالات الطائفة الذين كان يهمّهم أمر الثورة والمجاهدين وأمر سلطان.
لقد بادر سلطان إلى الثورة دفاعاً عن الكرامة وعن القيَم والتقاليد، مناشداً للحرية والاستقلال. في تلك الأيام كان للثورة معنى، وكانت للثوّار قيمة، وكانت لقائد الثورة منزلة رفيعة كمنزلة الأنبياء. لقد شهدت أوروبا خلال القرن التاسع عشر، ثورات الاستقلال في أرجائها، وتمخّضت عن هذه الثورات دول وبلاد مستقلة، عاشت بأمن وسلام وتقدّم، وأصبحت أوروبا مصدر إلهام لباقي شعوب العالم، التي كانت تنشد الاستقلال والحريّة. وعندما فُرض الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وأخذ الحكّام العسكريون الفرنسيون يثقلون كواهل شعوب هذه البلدان، لم يكن هناك إلاّ سلطان يحمل الجرأة والقدرة والاستعداد، لإعلان الثورة، واستمرت الثورة سنتيْن، وتحوّلت إلى ثورة سورية عارمة، لكنّ النخبة الرصينة في قيادتها، وفي محاربيها، وفي متحمّلي أعبائها، كانت من بين الدروز بصورة خاصّة. وقد شارك بعض الزعماء الآخرين، وشاركت بعض الطوائف الأخرى، في أعباء الثورة بصورة اسمية رمزية تقريباً، ووقع العبء الأساسي للثورة على الدروز، في الجبل، وفي الإقليم، وفي وادي التيم، وفي لبنان. وهبّت الطائفة الدرزية في كل مكان، تسند الثورة وتدعمها، واضطُرت بعض الأسر والعائلات أن تترك قراها مؤقتاً، فوجدت الحماية والدفء والرعاية في ربوع الكرمل، وفي أحضان الجليل، وغمر سكان الكرمل والجليل، إخوانهم الضيوف بالحب والرعاية والاحترام، واحتضنوهم أشهراً وأياماً، حتى فُرجت الأزمة، واستطاعوا العودة إلى بيوتهم، لكن النواة الأساسية من الثوّار، اضطُرت إلى النزوح إلى المناطق الصحراوية في الأردن، ومكثت هناك خلال إحدى عشرة سنة، تعاني من الجوع والحر والعزلة والحرمان. وحينما كان أقران سلطان يتقاسمون رغيف الخبز في غياهب الصحراء العربية، كان الزعماء الآخرون في دمشق وبيروت، يتقاسمون النِّعَم والوظائف والمناصب والعطاءات والامتيازات التجارية والأوسمة العسكرية من قبَل الانتداب الفرنسي.
لقد تهدّم بيت سلطان أثناء الثورة، وخربت مئات البيوت في القرى الدرزية، وشُلّ الاقتصاد عند المواطنين الدروز أثناء الثورة وبعدها، لكن المعنويات كانت عالية ورفيعة وملتهبة عند الثوار والمواطنين الدروز، لأنهم شعروا أنهم يضحّون من أجل قضية حقيقية، ومن أجل كافة طوائف وشعوب المنطقة، ومن أجل أن يعيش أبناؤهم بعد ذلك في حرية وكرامة. وقد تعوّد الدروز أن يكونوا دائماً في مقدّمة كل المناضلين والمجاهدين والثوار في البلاد التي يعيشون فيها، وأن يقدّموا التضحية الرئيسية، لكنهم وعندما تستقر الأمور، يُنتسى دورهم وينكمشون في قراهم، ولا يصلهم من نِعَم الحكم والجاه إلاّ الفتات. هكذا حصل عندما ناضل الدروز من أجل استقلال لبنان، فقد كان الزعيم الدرزي الكبير، الأمير مجيد أرسلان، هو الذي رفع علم الاستقلال في بشامون وحرّك عملية الاستقلال. هكذا أعلن سلطان الثورة ضد الطاغية أديب الشيشكلي، وتحمّلت القرى الدرزية في الجبل القصف الجوي والتخريب المستمر، حتى زال الشيشكلي، هكذا وقف كمال جنبلاط عام 1958 في رأس حركة شعبية من أجل حرية لبنان، هكذا فتح فخر الدين الشرق أمام الحضارة الأوروبية وانتهج الديمقراطية والمساواة والحرية في لبنان وفلسطين، في حين كانت هذه الحريات ما زالت أفكاراً في عقول الفلاسفة الأوروبيين الذين عانوا خلال ألف سنة من ظلمات القرون الوسطى والإقطاع. هكذا وقف الدروز ضد التتار في عين جالوت، وضد الصليبيين في حطّين وفي معارك بيروت ولبنان، وضد الولاة العثمانيين المتعجرفين، وضد إبراهيم باشا الذي احتل كل فلسطين وسوريا، وعجز عن أن ينال جبل الدروز إلا بعد أن سمَّم آبار الماء.
أجل هكذا وقف الدروز في كل هذه المواقف، في رأس كل حركة نحو الحرية، ومنها ما نجحوا فيها، ومنها ما لم ينجحوا. لكن أمراً واحداً كان مشتركا لكل هذه التحرّكات، وهو أن الدروز هم الذين يقاتلون، والآخرون ينعمون بالمكاسب والوظائف. وأن الدروز دائماً في طليعة القتال والنضال والجهاد والكفاح والصمود، وفي آخر الصف عندما توزّع الغنائم. والدرزي الحرّ، والدرزي المقاتل، والدرزي المحارب، الذي يؤمن بقضية ويحارب من أجلها، لا يفكّر أبداً بالنتائج والنعم والحصص والهدايا والثمن، فهو يحارب من أجل قضية، وهو يقاتل من أجل كرامة، وهو يكافح من أجل كيان، وهو يبذل المستحيل من أجل العقيدة. وهذه العقيدة تقول إن المكاسب المادية من أموال وثروات وأملاك ونعم ملموسة، هي أمور تافهة لا تساوي لحظة شعور بالعلياء والقناعة والإحساس، أن هذا القتال وهذه التضحية التي يقدمها الدرزي، هي من أجل مواضيع جوهرية سامية.
المواطن الدرزي يستطيع أن يقدّم كل شيء، وأن يضحي بما يملك، لأنه يعلم أنه مسنود. هو مسنود أولا من قبل الله سبحانه وتعالى، فكل درزي مؤمن مسالم، يعلم أن الله سبحانه وتعالى في صفه، يدعمه ويسنده ويرعاه. وكل درزي سواء كان متدينا أو غير متدين، إذا اشترك في معركة، أو فُرضت عليه حرب، يظل متمسكا بقيَمه ومبادئه وتعاليمه : فلا تعدٍّ على النساء، ولا ابتزاز، ولا قتل من أجل القتل، ولا مكان لكل تلك المناهج القبلية الزائلة، التي كانت مألوفة بين القبائل في الجاهلية، حيث كان الغزو والقتال، هو من أجل السلب والنهب والسبايا والتحصيل. والمواطن الدرزي يشعر أنه إذا وقع تحت ضيم، وأنه إذا نودي إلى معركة، فإن أهله ونساءه وأملاكه في أمان، من قبل أبناء طائفته، وأنه يمكن أن يعتمد على إخوانه عبر الحدود. وكم حمى جبل الدروز إخواناً قدِموا إليه من لبنان ومن الجليل والكرمل، وكم حمى سكان لبنان الدروز أشقاءهم من الأماكن الأخرى، وكم حمى سكان الكرمل والجليل الإخوة والأقارب والأصحاب.
هذا في وقت الحرب، أما في وقت السلم، فالعلاقات التوحيدية تزداد ترابطاً، وتنتعش في حركات تواصل مهمّة ومستمرة. ففي عام 1973 فُتحت الطريق إلى بعض القرى السورية الدرزية في إقليم البلاّن مثل حذر وغيرها، فانهالت جموع الدروز تحتضن الإخوان هناك. وفي عام 1967 أشرقت الشمس عندما أصبح بالإمكان زيارة مجدل شمس وقرى الجولان. وفي عام 1982 طار الدروز فرحا، إذ وصل أهل الكرمل والجليل إلى البياضة الزاهرة وإلى بلاد الشوف العامرة، وحقق الإخوان اللبنانيون حلمهم بزيارة مقام النبي شعيب. عمليات التواصل مستمرة طوال أيام السنة. فقد انتهج فضيلة المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف، عملية الزيارات السنوية للمقامات الدينية في القرى الدرزية. ولا بد من ذكر الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في أواخر القرن التاسع عشر، الشيخ مهنا طريف، الذي حوّل مقام النبي شعيب إلى مقرّ يطمح لزيارته كل درزي، ودعا إلى زيارة سنوية في الخامس والعشرين من نيسان إلى المقام، تحوّلت فيما بعد إلى زيارات مماثلة إلى مقامات أخرى. وفي أيامنا يقوم فضيلة الشيخ موفق طريف، بقيادة مئات المشايخ في معيته، لزيارة القرى الدرزية والأماكن المقدسة، حيث تجري الاحتفالات في كل قرية، مهما صغرت، ويتم الاحتفاء بالقادمين إليها بأحسن وجه تعوّدت عليه الطائفة الدرزية. وقد شاهدنا في الآونة الأخيرة الزيارات المكثفة التي يقوم بها فضيلة الشيخ موفق طريف إلى القرى الدرزية المختلفة، مشاركا في كل المناسبات العامة والخاصة لدى المواطنين. لكن ما أثلج صدورنا، هو تلك الزيارات العارمة التي يقوم بها المشايخ في بداية كل شهر زوجي إلى قرية درزية، حيث يزورون الأماكن المقدسة، ويجمعون جميع سكان القرية على طبق واحد، ويقضون مع إخوانهم الوافدين أجمل الأوقات وأنبلها وأمتعها.
وفي هذا العدد من "العمامة"، تقرير شامل ومفصل عن الزيارة التاريخية التي قام بها المشايخ الأفاضل برئاسة الشيخ موفق طريف إلى قرية البقيعة، حيث لاقوا هناك أبهى آيات الاحتفال والاحتفاء والاستقبال، ولا شك أن هذا الحدث فيه فائدة وانتعاش للطائفة الدرزية ولأهالي البقيعة، فقد أظهر أهالي البقيعة أصالتهم وعراقتهم ونبلهم أمام الجموع المحتشدة من مشايخ الدروز، وقد رفع سكان البقيعة مقاييس الضيافة وواجبات الإستقبال وعادات الاحتفاء بالضيوف إلى قمم جديدة عليا. والمطلع على تاريخ البقيعة وعادات أهلها، لا يجد غرابة بذلك، فقد تعودنا منذ مئات السنين، من أهل البقيعة الكرام، على استقبال الضيف، واحتضان الغريب، والتعايش السلمي الأخوي بين جميع أبناء الطوائف، ففي عام 1948 أرادت السلطات أن تطرد من البقيعة السكان من غير الدروز إلى ما وراء الحدود، فما كان من مشايخ البقيعة وزعمائها في ذلك الوقت، إلى أن عقدوا اجتماعا حاشدا في ساحة العين، وأعلنوا أنه أو يبقى جميع السكان أو يهجر جميع السكان، وبفضل هذا الموقف البطولي، بقي سكان البقيعة من غير الدروز في بيوتهم.وفي عام 1925 رحبوا بعشرات العائلات النازحة من حاصبيا والمجدل والجبل، وتقاسموا معهم بيوتهم لأيام وأسابيع طويلة. وهنا يطيب لنا أن نذكر إحدى الحوادث التاريخية النادرة، التي تشير إلى كرم وإباء البقيعة العامرة، ففي عام 1935 وبعد أن التجأ سلطان والثوار إلى النبك في الأردن، وكان القائد الشيخ يوسف علي (البك) قد بنى أول بيت في الأزرق، وسكن به مع زوجته.وفي أحد الأيام عاد البك إلى منزله، فوجد زوجته جالسة خارج البيت،محجبة، على غير عادتها، وهي في حيرة واضطراب، ولما سألها عما بها، أجابت أنها لن تدخل المنزل إلا إذا استجاب لطلباتها، وعندما سألها ما هي طلباتها قالت، إنه وصل إلى مسمعها أن سلطان باشا ورجاله موجودون في ضيق في النبك، وأن سلطان قد بكى من شدة تأثره، عندما اضطر تسعة من رجاله أن يتقاسموا رغيفا مقددا من الخبز، ولا يمكن أن نشبع نحن وسلطان ورجاله جائعون، لذلك عليه أن يجند مؤونة سريعة لينجد بها رجال سلطان. تأثر البك وأسرع مع سيارتين إلى السوق القريب، وملأهما بالمؤن والحاجيات، وهرول بهما إلى الصامدين في الصحراء.
وفي وقت لاحق وصلت رسالة شكر من سلطان...


والله ولي التوفيق ...

سميح ناطور

دالية الكرمل
كانون اول
2006
 
التالى >
 

من ألبومات الصور

spacer

spacer
© 2018 العمامة
Joomla! is Free Software released under the GNU/GPL License.